| جميع الحقوق محفوظة © |

الركود التضخمي .. ما هو وما مدى خطورته وما الذي حدث في السبعينيات؟

ولد هذ المصطلح خلال فترة الركود الاقتصادي التي عاشتها الولايات المتحدة عقب حظر النفط في عام 1973، حيث شهدت البلاد تضخماً متصاعداً وتباطؤاً اقتصادياً في آن واحد، وهو الأمر الذي اعتقد الاقتصاديون قبل ذلك الوقت أنه مستحيل حدوثه، ليُصدم الجميع بحقيقة أن التضخم المتزايد والنمو المتباطئ من الممكن أن يتزامنا، وأن العلاقة بين التضخم والبطالة ليست عكسية دائماً وبين التضخم والنمو الاقتصادي ليست طردية دائماً!





- دخول الاقتصاد في حالة ركود تضخمي يعني أن الناتج المحلي الإجمالي إما ينمو بمعدل شديد البطء أو أنه يتقلص. والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي ارتفاع البطالة على خلفية قيام الشركات بالاستغناء عن جزء من موظفيها في سعيها إلى خفض نفقاتها، وهو ما يقلل بدوره من القوة الشرائية للمستهلكين لتتراجع بالتبعية معدلات الإنفاق وهو ما ينتج عنه تباطؤ النمو الاقتصادي بمعدلات أكبر. أي أن الإجراءات التي تتخذ لمواجهة التباطؤ الاقتصادي هي ذاتها التي تعمق من الأزمة.

- في الحقيقة، يعتبر التباطؤ الاقتصادي جزءا طبيعيا من الدورة الاقتصادية، فعندما تخرج أنشطة المضاربة في الأسواق المالية عن السيطرة (كما حدث مع أسهم التكنولوجيا في أواخر التسعينيات وأزمة الرهن العقاري الأخيرة) يحتاج السوق إلى فترة لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب الأوراق، وعادة ما يحدث ذلك من خلال ركود مؤقت قد يكون مؤلماً أحياناً.

- ما الذي يجعل الركود التضخمي وضعا خطيرا جداً؟ تخيل أن هناك دولة ما يعاني اقتصادها من نمو متباطئ أو انكماش بالإضافة إلى تضخم خارج عن نطاق السيطرة. فمع ارتفاع معدل البطالة ينخفض ما لدى المستهلكين من أموال، أضف إلى ذلك معدل التضخم الذي يتسبب في تآكل قوتهم الشرائية (المحدودة أصلاً) بصفة يومية تقريباً، الناتج هو وضع سيئ للغاية. ببساطة هذا النوع من التضخم يكون بمثابة القاتل الحقيقي لثقة المستهلكين ويساعد على خلق بيئة اقتصادية محبطة.

- قبل السبعينيات اعتقد الاقتصاديون أنه من المستحيل أن يتباطأ مثلاً نمو الاقتصاد السعودي ويرتفع معدل التضخم في البلاد في نفس الوقت. فالجميع حتى ذلك الوقت آمن بالمبادئ التي وضعها الاقتصادي البريطاني الشهير "جون ماينارد كينز" والتي نصت على أن التضخم هو نتيجة ثانوية للنمو الاقتصادي. فالبنسبة ل"كينز" الأمر كله متعلق بالعرض والطلب، بمعنى أنه حين يرتفع الطلب (كما هو الحال في الاقتصادات المزدهرة) تترفع الأسعار أي التضخم.

- لكن ما لم يدركه الكينزيون هو أن هناك قوة اقتصادية أخرى يمكنها أن تتسبب في انزلاق أقدام التضخم إلى دوامة تصاعدية يصعب الخروج منها.

- من أجل فهم أفضل ل"الركود التضخمي" ربما يجب علينا العودة إلى السبعينيات من أجل إلقاء نظرة سريعة على ظروف ظهور هذا المصطلح.



السبعينيات .. الفيدرالي يدخل بالاقتصاد الأمريكي في الحائط!

- في الفترة ما بين عامي 1958 و1973 شهدت الولايات المتحدة ما يعرف باسم "فقاعة ما بعد الحرب". ونما الناتج المحلي الإجمالي للدول الغربية بمعدل 5% سنوياً، مما أدى إلى ارتفاع بطيء ولكن مطرد في مستويات الأسعار.

- حسناً، ما الذي حدث بعد ذلك لكي تنقلب الأمور على هذا النحو الدرامي؟ تبين أن السياسة النقدية التي اتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي خلال سنوات الازدهار في الخمسينيات والستينيات لم تكن مستدامة.

- فالاقتصاديون الذي أداروا الفيدرالي في تلك الفترة كانوا يؤمنون بصحة ما يسمى ب"منحنى فيلبس"، والذي ينص ببساطة على أن معدل التضخم يرتفع مع انخفاض البطالة والعكس صحيح.

- في الستينيات، اعتقد الفيدرالي أن العلاقة العكسية بين البطالة والتضخم مستقرة تماماً، وعلى هذا الأساس استخدم البنك المركزي سياساته النقدية في إطار سعيه لزيادة الطلب الكلي على السلع والخدمات والحفاظ على استقرار معدل البطالة عند مستوى منخفض. وكانت النتيجة الوحيدة التي يتوقعها مديرو الفيدرالي من هذه الإجراءات هي الارتفاع الآمن والمعقول لمعدل التضخم!

- لكن لسوء الحظ لم تمض الأمور على هذا النحو، حيث تسبب الانخفاض غير الطبيعي لمعدل البطالة في خلق ما يسمى ب"دوامة الأجور والأسعار". فالحكومة الأمريكية قامت بزيادة المعروض النقدي من أجل تحفيز الطلب مما أدى إلى ارتفاع الأسعار، وفي المقابل طالب العمال الذي شعروا بهذا التغير رفع أجورهم بنسبة مماثلة.

- لفترة من الوقت لم يمانع أصحاب العمل رفع أجور العاملين لديهم، ولكن الحال تغيرت بعد أن بدأ معدل التضخم في الارتفاع بشكل لم تستطع مستويات الأجور مجاراته، ليرفض بعض العمال العمل مقابل أجور أقل، ليرتفع معدل البطالة حتى مع استمرار صعود التضخم.

- لكن "دوامة الأجور والأسعار" لم تكن كافية لإدراك الجميع لظاهرة "الركود التضخمي" القاتلة. وكانت النقطة الفاصلة هي حظر تصدير النفط عام 1973، والذي أدى إلى ارتفاع أسعار النفط ومن ثم أسعار جميع السلع والخدمات.

- الفيدرالي بمجرد رؤيته لأرقام النمو الضعيفة قام بشكل تلقائي ومتوقع بخفض أسعار الفائدة في عام 1973 من 11% إلى 9% (خفض بنسبة 2% في عام واحد!). لكن بدلاً من انتعاش النمو الاقتصادي كما توقع الفيدرالي بدأ التضخم في الخروج عن نطاق السيطرة.

- في عام 1970 كان معدل التضخم في الولايات المتحدة 5.5% ولكنه قفز إلى 12.2% في عام 1974، قبل أن يبلغ ذروته بوصوله إلى 13.3% في عام 1979. خلال الفترة ما بين عامي 1970 و1979 تراجع مؤشر "ستاندرد آند بورز 500" بمعدل 5.9% سنوياً.

- بلغ متوسط سعر برميل النفط 119.33 دولار (بأسعار عام 2016) في ديسمبر/كانون الأول عام 1979، وهو المستوى الذي لم ترتفع إليه أسعار الخام مرة أخرى إلا بعد 28 عاماً من ذلك التاريخ حين لامس سعر البرميل 139.05 دولار (بأسعار 2016).

- حاول الرئيس الأمريكي "جيمي كارتر" ومعه مجلس الاحتياطي الفيدرالي إنفاذ الوضع بشتى الطرق من أجل العودة بالاقتصاد إلى مساره الطبيعي من خلال عدد من السياسات المالية والنقدية، التي لم تؤد إلا إلى زيادة تأزم الوضع.

- في خطاب له في عام 2003 قال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي السابق "بن بيرنانكي" متحدثاً عما حدث في السبعينيات " .. لقد فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي مصداقيته كمقاتل للتضخم، وبدأت التوقعات حول مستقبل معدل التضخم في الارتفاع".

- الدرس المستفاد: الدرس الوحيد الذي يمكن لأي بلد الخروج به من أزمة "الركود التضخمي" في السبعينيات هو أنه من سوء التصرف والتدبير أن تترك أي دولة نفسها رهينة لمورد مالي أو منتج معين، الأمر الذي يعرض الرفاهية الاقتصادي لتلك الدولة للخطر في حال حدوث أي تقلبات اقتصادية أو جيوسياسية غير مرحب بها.