| جميع الحقوق محفوظة © دار تقنية المعلومات IT Dar |

مخاطر تهدد اقتصاد البطاقات الائتمانية

لسنوات عديدة تحدث اقتصاديون كثر عن ظاهرة "اختفاء النقود"، وروج البعض لها باعتبارها ظاهرة اقتصادية حتمية تتفق وتطور المنظومة الاقتصادية الدولية، بينما عبر آخرون عبر سلسلة متواصلة من الدراسات والأبحاث الأكاديمية، عن شكوكهم في قدرة السداد أو الدفع "نقدا" على مواصلة أداء دوره الاقتصادي التقليدي، الذي ساد منذ عرف الإنسان معنى النقود، وتبلور في مرحلة متأخرة بداية من صك العملات المعدنية إلى اختراع العملات الورقية.
ويعتقد الاقتصاديون أن السداد نقدا يتراجع لكن لا يتلاشى، لمصلحة استخدام البطاقات الائتمانية في التداول، وسداد المستحقات المالية الناجمة عن عمليات البيع والشراء. ولسنوات أيضا سعى عدد من الاقتصاديين إلى إدخال مفهوم "تراجع الدفع نقدا" لمصلحة الدفع عبر "البطاقات الائتمانية" ضمن معايير التنمية، فكلما تقلص تداول العملات الورقية أو المعدنية لمصلحة البطاقات البلاستيكية، قفز موقع الدولة أو النظام الاقتصادي في قائمة الدول الأكثر تقدما.
وتحذر دراسات حديثة من مغبة الإسراع في الانتقال من مجتمع الدفع نقدا إلى اقتصاد البطاقات الائتمانية، وتؤكد أن ملايين من الأشخاص سيعانون مشكلات اقتصادية متعددة إذا اتخذت تلك الخطوة بتسرع ودون تأهيل حقيقي للمنظومة الاقتصادية.
أول المبررات التي يستند إليها أنصار "الدفع نقدا" في دفاعهم عن هذا النمط من التعامل، أنه في بلد متقدم مثل المملكة المتحدة، توجد ثمانية ملايين شخص على أقل تقدير سيعانون نتيجة التحول إلى البطاقات الائتمانية، وستوجد تلك البطاقات مشكلات حقيقية لأولئك الأشخاص الذين يعيشون في ديون أو يقيمون في المناطق الريفية.
ويعتقد إس. تشارلز الباحث الاقتصادي في بنك إنجلترا أن عديدا من المجتمعات والنظم الاقتصادية غير مستعدة بعد للتحول من السداد نقدا إلى السداد عبر البطاقات الائتمانية، مضيفا أن "عملية التحول تتطلب اتخاذ إجراءات لحماية عديد من الفئات التي تعتمد على المدفوعات النقدية".
ويضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "في ظل نظام اقتصادي كالنظام السائد في المملكة المتحدة، سنجد أن استخدام النقد انخفض إلى النصف في السنوات العشر الماضية، ويتوقع أن ينخفض استخدام النقد أكثر في العقد المقبل، ومع هذا سنجد أنشطة محددة حتى في المجتمعات المتقدمة مثل التبرع للأعمال الخيرية تعتمد على الدفع نقدا، وكذلك بعض الأعمال والأنشطة الاقتصادية التي تكون فيها عملية الدفع متضمنة مبالغ مالية زهيدة مثل تنظيف النوافذ".
ويشير تشارلز، إلى أن "المشهد يختلف تماما في عديد من المجتمعات الإفريقية، وحتى في الصين التي تعد ثاني اقتصاد في العالم، وحتى الهند وعلى الرغم من معدلات النمو الاقتصادي المتسارع لديها، فإن تلك المجتمعات نظامها المالي الداخلي غير مؤهل بعد لاستخدام البطاقات الائتمانية، وغالبا ما تكون عملية الاستخدام محصورة في الشرائح العليا من المجتمع، والمستقرة في العاصمة أو بعض المدن الكبرى".
وتستبعد الدكتورة لورا بليتز أستاذة الاقتصاد الاجتماعي في جامعة لندن، خروج التداولات النقدية من النشاط الاقتصادي تماما، محذرة من أن يؤدي الإسراع المفتعل في استخدام البطاقات الائتمانية، بهدف الرغبة في الانتماء إلى قائمة البلدان المتقدمة إلى تعزيز الشروخ الاجتماعية في المجتمع.
وتضيف لـ "الاقتصادية"، أنه "يلاحظ أن انتشار ظاهرة الدفع نقدا يتركز أكثر في المناطق الريفية، بينما الاستخدام الكثيف للبطاقات الائتمانية يكون في المدن، وهذا يمكن أن يكرس الانقسام بين الريف والمدينة".
وتشير بليتز إلى أنه "للتغلب على تلك الفجوة خاصة في الاقتصادات الناشئة، التي تشهد مزيدا من استخدام البطاقات الائتمانية، لا بد من منح امتيازات مالية للاستخدام المتزايد لتلك البطاقات، ويتوقع أن يشجع ذلك عملية التحول".
وتبرر السلطات النقدية في عديد من الدول المتقدمة، اللجوء المتزايد إلى البطاقات الائتمانية في عمليات الدفع إلى عاملين، الأول يتعلق بأن هذا الاتجاه يحد بشكل كبير جدا من العمليات الإجرامية، خاصة عمليات السطو على المحال التجارية، ومع غياب الدفع نقدا يكاد يتلاشى هذا النوع من الجرائم، إلا أن أنصار الدفع نقدا يردون بالقول إن اختفاء هذا النوع من الجرائم، يرافقه تزايد في جرائم السطو الإلكتروني، وعمليات الاحتيال والقرصنة عبر الشبكة العنكبوتية، وقد تكون تكلفة الجرائم الإلكترونية أعلى وأكثر خطورة وأوسع نطاقا على المنظومة الاقتصادية ككل.
أما العامل الثاني الذي تبرر به السلطات المالية في البلدان المتقدمة انحيازها إلى البطاقات الائتمانية، فإنه يعود إلى ما يعرف بضبط الحصيلة الضريبية.
ويقول لـ "الاقتصادية"، جيمس باركر المختص الضريبي في الهيئة الملكية للعائدات والجمارك البريطانية "تكاد تكون إمكانية التهرب الضريبي في حالة المدفوعات التي تتم عن طريق البطاقات الائتمانية معدومة، بينما تبلغ نسبة التهرب الضريبي عند الدفع نقدا 10 في المائة في البلدان المتقدمة في أقل تقدير".
ومع هذا يرى أنصار "الدفع نقدا" أن التيار المؤيد لسداد المستحقات المالية عن طريق البطاقات الائتمانية، يبالغ في النجاحات التي حققها في السنوات الماضية، فحجم العملات الورقية والمسكوكات المعدنية في تزايد عبر العالم، وهو ما يعني أن السيولة المالية تحظى بدعم تام من قبل جميع أطراف النظام الاقتصادي.
فاليوم يوجد ما قيمته 500 مليار دولار من العملات الورقية على أقل تقدير، ورقم غير معلوم لكن يقدر بالترليونات من العملات المعدنية المتداولة، وحاليا تمثل الأموال المادية الملوسة نحو 9.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، مقابل 8.1 في المائة عام 2011، وفي أوروبا لا يزال 80 في المائة من المدفوعات تتم نقدا، وربما تمثل السويد حالة استثنائية، إذ إن 19 في المائة فقط من المدفوعات هناك تتم نقدا.
ويرى البعض أن الوضع الأكثر منطقية ربما يتمثل في إلغاء السلطات النقدية العملات الورقية ذات الفئات الضخمة، كما فعل الاتحاد الأوروبي مع عملة الـ 500 يورو، وذلك بعد أن كشفت الدراسات أن التنظيمات الإرهابية وتجار المخدرات يلجأون إلى هذا النوع من العملات لتمويل جرائمهم.
ويوضح لـ "الاقتصادية"، مارتن لويس المختص المصرفي وأستاذ النقود والمصارف في جامعة أكسفورد، أن" الاتجار بالمخدرات هو المحرك الأكبر للتدفقات المالية غير المشروعة، ومصدر رئيسي لتمويل الإرهاب، وينتهي تهريب المخدرات دائما في شكل مدفوعات نقدية، وإلغاء العملات الورقية ذات القيم الكبيرة، يعوق بشكل كبير تلك التجارة ويعوق أيضا دعم الإرهاب، كما أنه يضرب الفساد كما حدث في الهند بإلغاء العملات الوطنية من فئة 500 و1000 روبية".
إلا أن ذلك الإجراء نجح في زيادة ضريبة الدخل الشخصي في الهند بنحو 40 في المائة، لكنه ترك آثارا جانبية تمثلت في انخفاض النمو إلى أدنى مستوى له في ثلاث سنوات، خاصة أن تلك الخطوة لم تحدث التحول المأمول نحو المدفوعات الإلكترونية.
ويجمل الدكتور جان تشودري أستاذ الاقتصاد الدولي في جامعة مانشستر المشهد قائلا "سيتزايد استخدام البطاقات الائتمانية وستحتل الحيز الأكبر من المشهد الاقتصادي، لكن العملات المعدنية والورقية ستظل تحافظ على جاذبيتها، فهي طريقة سريعة وملائمة للدفع، ومقبولة على نطاق واسع، والأهم أنها مفيدة لإدارة الميزانية، كما أن الدفع نقدا يجعلك مجهول الهوية، وتلك رغبة ليس بالضرورة أن تكون مفيدة وجذابة للمجرمين والإرهابيين، وأيضا للراغبين في التبرع للأعمال الخيرية".
....
http://www.aleqt.com/2018/12/22/article_1511376.html