| جميع الحقوق محفوظة © دار تقنية المعلومات IT Dar |

ما هو الركود وكيف يحدث؟ وما الفرق بينه وبين الكساد؟

ما هو الركود وكيف يحدث؟ وما الفرق بينه وبين الكساد؟

الركود والكساد مرتبطان دائماً بوضع اقتصادي سييء، وبيئة صعبة للأعمال وتراجع في المداخيل وزيادة في أعداد العاطلين، فضلا عن حالة من عدم اليقين والخوف تنتاب المستهلكين وغيرها من الآثار السلبية التي تصاحبهما والتي قد تظل باقية لفترات مطولة نسبياً في بعض الأحيان.

لكن مفهوم كل منهما قد يتداخل مع الآخر ويسبب ارباكاً للمتابع للشأن الاقتصادي، فيما تحاول السطور التالية وضع وصف مبسط مع تعريف لكل منهما.

- الركود

يوجد تعريفان للركود يمكن القول أنهما متقاربان إلى حد ما، حيث يشير الأول وهو الشائع إلى انخفاض النمو الاقتصادي بأقل من الصفر خلال ربعين متتاليين أى ستة أشهر، بينما يوضح التعريف الثاني وهو خاص بالمكتب الوطني الأمريكي للأبحاث الاقتصادية "ان بي إي ار" أن الركود يعد بمثابة تراجع كبير وملحوظ في النشاط الاقتصادي ويستمر بضعة أشهر.

وتعاني العديد من الدول من الركود خلال مرحلة ما من الدورة الاقتصادية ومن أمثلة ذلك ما حدث لدول أوروبية جراء أزمة الديون السيادية التي لا زالت تبعاتها باقية حتى الآن.

وتبعاً لدراسة قام بها مكتب "ان بي إي ار"لفترة امتدت أكثر من 150 عاما بين 1834 إلى 1980 فإن الولايات المتحدة عانت من 34 فترة ضعف اقتصادي صنف الغالبية منها بند الركود، فيما تباين طولها الزمني ليبلغ في المتوسط عشرة أشهر تقريباً، كان من أقصرها ركود الفترة بين يناير/كانون الثاني إلى يوليو/تموز عام 1980، وأطولها الركود بين نوفمبر/تشرين الثاني 1973 إلى نوفمبر/تشرين الثاني 1975.

لكن كيف يحدث الركود؟

عندما يحدث خلل في التوازن الذي يعتمد عليه نمو الاقتصاد بين ما يستهلك من سلع وخدمات وما يتم انتاجه تظهر دلائل واشارت الضعف، فالمداخيل ونسب نموها ومعدل الإنفاق بالتبعية عند نقطة ما قد لا تستطيع امتصاص كثافة المعروض من السلع.

عند ذلك يضعف نمو الاقتصاد لأن المنتجين قاموا بتقديم كمية كبيرة من السلع التي لم يتمكن السوق من استيعابها نظرا لتجاوزها معدلات الانفاق، ومن ثم تتراجع أرباحهم نتيجة بطء المبيعات، ويقل الانفاق الاستثماري مع ضعف الأرباح أو انعدامها، وتضطر الشركات تسريح موظفين وتجميد أو خفض الرواتب وتسري نتائج ذلك في شرايين الاقتصاد.

- الكساد

لا يوجد تعريف أكاديمي محدد للكساد، لكن يمكن وصفه بأنه فترة حادة ومطولة من انكماش النشاط الاقتصادي مصحوبة بضعف في جميع القطاعات تكون مصحوبة بإرتفاع حاد للبطالة، زيادة التضخم، تراجع في توفر الائتمان، افلاس شركات، واجمالاً يمكن القول أنه بمثابة ركود حاد.

أى أن الفترة المطولة من الركود يطلق عليها كساد، والذي قد يصير كسادا كبيرا أو عظيماً تبعا لآثاره تماما مثلما حدث للولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الماضي.

وبدأ ذلك الكساد العظيم بعدما تراجع مؤشر "داو جونز" بنسبة 40% في الفترة بين شهري سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 1929 مع دخول فئات كثيرة لسوق الأسهم أغلبها من غير المتعلمين، وفي حقيقة الأمر فإن هبوط المؤشر لم يتوقف بل استمر في نزيف النقاط حتى يوليو/تموز 1932، حيث بلغت خسارته 90% من أعلى نقاطه المحققة عام 1929.

واستمر هذا الكساد طيلة 43 شهرا بين أغسطس/آب 1929 إلى مارس/آذار 1933 عاني خلاله الناتج المحلي الإجمالي من ضعف حاد وتراجع بنسبة 33%، بالتزامن مع انكماش الإنتاج الصناعي 53%، وارتفاع معدل البطالة إلى 25%، ومشكلة هذا الكساد في تلك الفترة في انتقال آثاره إلى أوروبا ومعظم أنحاء العالم.

كيف يحدث الكساد؟

عندما تجتمع بعض العوامل معاً في وقت ما تتسبب في حدوث الكساد، ولأنه –كما تم الإشارة سابقا- عبارة عن ركود حاد فإنه يتشابه في حدوثه مع الركود في حين تكون النتائج أشد قسوة والآثار الناجمة أشد فتكاً.

ومع حدوث افراط في الإنتاج وتراجع في الطلب، يصاب المستثمرون بالذعر، ومع الجمع بين الإفراط في المعروض من السلع والخدمات وهلع المستثمرين تتراجع وتيرة نمو استثمارات قطاع الأعمال ويتباطأ نمو الاقتصاد وترتفع البطالة وتنخفض الأجور، وهو ما يتسبب في تراجع الانفاق.

ونتيجة لذلك تتآكل القوة الشرائية للمستهلكين، وهو ما لا يتوقف فقط على تراجع مشترياتهم، بل اضافة إلى ذلك عدم قدرتهم على سداد ديونهم، مما يدفع البنوك لتشديد قواعد الإقراض، ويتضرر النشاط الاقتصادي، ومع ذلك تتكاثر حالات الإفلاس، ويتزايد انتشار الفقر.

هل توجد فترات كساد أخرى؟

بالطبع يوجد العديد من فترات الكساد غير التي حدثت في فترة الثلاثينيات مثل التي شهدتها الولايات المتحدة في المدة بين مايو/آيار 1937 إلى يونيو 1938 التي تراجع خلالها الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 18%، وفترة أخرى قبل نهاية القرن التاسع عشر بين 1893 و1898.

ومن المعلوم أن أحدث كساد ضرب الولايات المتحدة استمر 18 شهرا بين ديسمبر/كانون الأول 2007 إلى يونيو/حزيران 2009 والذي جاء نتيجة أزمة الرهون العقارية وصاحبه فقدان ملايين الأمريكيين لوظائفهم وارتفاع معدل البطالة وتراجع الناتج المحلي الإجمالي وامتدت آثارة لشتى قطاعات الاقتصاد الأكبر عالميا، وتجاوزت حدوده الجغرافية أمريكا إلى كبرى اقتصادات العالم مثل ألمانيا، اليابان، كندا، انجلترا وغيرهم.

آثار الركود والكساد؟

على الرغم من تعداد العديد من الدراسات للجوانب السلبية المصاحبة للركود والكساد، إلا انه يوجد أيضا بعض الآثار الإيجابية.

الجانب السلبي

- يعد ارتفاع معدل البطالة من الآثار الكلاسيكية المصاحبة للركود والكساد على حد سواء، لكن حدة ارتفاعها ربما لا تتجاوز 10% إلى 11% أثناء الركود، بينما تقفز لأكثر من ذلك أثناء الكساد، أو بمعنى أدق يختلف نمط تحركها خلاله، حيث كانت عند 3% عند بدء الكساد العظيم في الولايات المتحدة عام 1929 على سبيل المثال إلى أن بلغت 25% عام 1933.

- انخفاض قيمة الأصول التي تتزامن مع تراجع الأسهم ومن ثم تتراجع القيم السوقية للشركات والإستثمارات، وهو ما يطال العقارات أيضا ومن ثم الثروات نتيجة تباطؤ الاقتصاد ومن ثم تراجع الأرباح وانعكاس ذلك على عمليات التقييم.

- انخفاض الناتج المحلي الإجمالي: وهي نتيجة حتمية لضعف الاقتصاد ومن ثم قطاعاته المختلفة نتيجة اختلال ميزان العرض والطلب وانعكاس ذلك على المحصلة النهائية على الدولة.

- تأجيل الاستثمارات: أو حتى الغائها نتيجة القلق من عدم جدوى ضخ أموال في مشروعات لن تدر ربحاً أو سيكون مردودها منعدماً، وهو الأمر الذي يزيد الوضع سوءاً مع زيادة أعداد العاطلين وتراجع الإنفاق.

الجانب الإيجابي

- توازن النمو الاقتصادي: على الرغم من اضعاف الركود والكساد للاقتصاد، إلا انهما قد يساعدا في دعم توازنه اذا نما بمعدل متسارع لفترة مطولة، حيث يصاحب ذلك تضخم حاد، فمع حدوث الكساد أو الركود تنخفض الأجور ومن ثم تتراجع الأسعار استجابة لضعف الطلب ويهبط التضخم ويكون تحت السيطرة بعيدا عن الإفراط.

- فرص نادرة للإستثمار: هناك قاعدة معروفة تماما ففي أوقات الأزمات تصنع الثروات، حيث توفر الظروف الاقتصادية الصعبة فرصاً جيدة للشراء في فئات عديدة من الأصول وهو ما فعله "واين بافيت" على سبيل المثال عام 2011 بإستثمار 5 مليارات دولار في "بنك أوف أمريكا" بعد فقده نصف قيمته السوقية نتيجة الأزمة المالية .

- التخلص من الفائض: تساهم حالة التدهور الاقتصادي المصاحبة للركود والكساد بالتخلص من المخزون والتخلص من الطاقة الانتاجية الفائضة، والهبوط إلى مستويات أكثر طبيعية في التحرك، وهو ما يدفع الاقتصاد للتوسع في المدى الطويل على أساس نمو متصاعد للطلب دون عوائق.

- تعديل أنماط تحرك المستهلكين: حيث تسمح أوقات الأزمات الاقتصادية للمستهلكين بمراجعة مواقفهم الائتمانية والاستهلاكية، بجانب قسرهم على التجاوب مع الحياة بما لا يتجاوز امكانياتهم المادية المتاحة بالفعل، فيما لا يكون متاحا سوى الدخل الموجود بالفعل، وهو ما قد يعني في النهاية رفع معدل الإدخار وضخ الإستثمارات مرة أخرى في شرايين الاقتصاد.