| جميع الحقوق محفوظة © دار تقنية المعلومات IT Dar |

الخيانة ربع النفاق أو ثلثه:

الخيانة مثل الكذب، أحد أركان النِّفاق، إما رُبع النفاق أو ثلثه، في بعض الأحاديث: "أربع مَن كن فيه كان منافقًا خالصًا - وذكر منهن - إذا اؤتُمن خان"([1])، وفي حديث آخر: "ثلاث مَن كن فيه فهو منافق، وإن صلَّى وصام وزعم أنه مسلم - وذكر منهن - إذا اؤتُمن خان"([2])، فخيانة الأمانة من دعائم النفاق ولا شكَّ.
الأمانة من أعظم خصال الإيمان:
ذلك أن الأمانة هي: صيانة الإنسان لم اؤتُمن عليه، لما استُحفظ، لما أُخِذ عليه العُهدة أن يحفظه، وأن يصونه, وألا يمسَّه بسوء، وأن يقوم بحقِّه، سواء كان أمرا ماديًّا أم أدبيًّا، ومن هنا كانت الأمانة من أعظم خصال الإيمان، وصف الله تعالى المؤمنين المفلحين الذين أورثهم جنة الفردوس: {أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون:10-11]، فكان من قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المؤمنون:1-7], قال بعد ذلك: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون:8]، الَّذين يرعون الأمانات والعهود.
الأمانة تشمل كلَّ شيء:
والقرآن إذا ما ذكر الأمانة كثيرًا ما يذكرها بصيغة الجمع: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء:58]، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]، إنها أمانات وليست أمانة واحدة، لأنها تشمل كلَّ شيء، مالُك أمانة، بدنك أمانة، حواسُّك أمانة، سمعك وبصرك ولسانك وشمُّك، كلُّ حواسك أمانة عندك، عقلك أمانة عندك، علمك أمانة، أولادك أمانة، أسرتك أمانة، منصبك أمانة، مسؤولياتك أمانة، التكاليف كلُّها أمانة، الصلاة أمانة، والزكاة أمانة، والصوم أمانة, والحج أمانة، وأوامر الله ونواهيه لك كلُّها أمانة عندك.
حمل الأمانة ثقيل:
ولهذا كانت الأمانة ثقيلة، صوَّر الله ثقلها وعظمتها حين قال: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا}[الأحزاب:72]، حمل الإنسان أمانة، أمانة التكاليف والمسؤولية وكان عليه أن يرعاها، يرعى هذه الأمانة العظيمة، ولكنه بظلمه وجهله كثيرًا ما فرَّط في الأمانة وضيَّعها.
الأمانة دليل الإيمان، وتضيع الأمانة دليلٌ على تضيع الإيمان، ولهذا قال صلَّى الله عليه وسلَّم: "لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له"([3]). لا إيمان لمن لا أمانة له، ليس بمؤمن مَن ضيَّع الأمانة.
وشأن المؤمن أن يحفظ الأمانة ويرعاها، ولا يُقابِل الخيانة بالخيانة، ففي الحديث: "أدِّ الأمانة لمَن ائتمنك، ولا تخُن مَن خانك"([4]). أدِّ الأمانة لمَن ائتمنك، ولا تخُن مَن خانك.
الأمانة نعمة عظيمة:
هذه هي الأمانة، مَن أُوتيها فقد أوتي نعمة عظيمة، وغنم غُنمًا كبيرًا، ولذلك قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم، كما روى ابن عمرو رضي الله عنهما: "أربع إذا كنَّ فيك فلا عليك ما فاتك من الدنيا - وذكر من هذه الأربع خصال - صدق الحديث، وحفظ الأمانة"([5]). أن يرزقك الله حفظ ما اؤتُمنت عليه، أيًّا كان هذا الأمر.
الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم يستعيذ بالله من الخيانة:
أما الخيانة فبئست الخصلة، ولهذا استعاذ النَّبي صلَّى الله عليه وسلَّم منها فقال: "اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع - الذي يُضاجع الإنسان ويلازمه - وأعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة"([6]). أي بئس ما يستبطنه المرء من أمره، كبطانة الثوب الذي يلي جلده، أعوذ بك من الخيانة، فإنها بئست البطانة، وقال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58]، فلا تكن منهم.
ويخاطب الله رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم بقوله: {وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ} [الأنفال:58]، إذا كان بينك وبين بعض الكفِّار عهد وبدت بوادر الخيانة منهم، فانبذ إليهم عهدهم وأعلمهم بذلك، ولا تأخذهم على غِرَّة، حتى تستوي أنت وهم في العلم بهذا الأمر، {فانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ}.
وفي آية أخرى يقول تعالى: {وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء:107]، لا تجادل عنهم، لا تدافع عنهم، لا تكن محاميًا للخائنين، فـ{إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء:107].
قال تعالى على لسان امرأة العزيز: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} [يوسف:52]، لا يصلح أمرهم ولا تدبيرهم، بل يدمِّر عليهم أمرهم، إن الله لا يهدي كيد الخائنين.
مجالات الخيانة:
الخائنون هم جرثومة الأمم، ومدمِّرو المجتمعات، والخيانة أنواع:
1- خيانة في المال:
قد يخون الإنسان في المال، يُؤتَمن على المال فيخونه، موظفٌ في الحكومة أو موظفٌ في مؤسسةٍ أُؤتُمن على أمر ولكنه لا يقوم بحقِّ هذه الأمانة، مدير مشتريات لا يأخذ أفضل الأسعار وأرخصها, وإنَّما مَن يدفع له، يدفع له رشوة في صورة هدية، أو في صورة عمولة، أو مسؤول عن العقود في مؤسسة. اليوم خيانة الأموال بالملايين! يأخذون الملايين باسم العمولات، وباسم الهدايا. هذه خيانة للأمانة.
2- خيانة المنصب والمسؤولية:
هناك مَن يخون في المال، وهناك مَن يخون في المنصب، في المسؤولية، لا يضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، وقد قال الله تعالى على لسان تلك الفتاة الحكيمة: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [ القصص:26].
ولذلك أخذ العلماء من هذه الآية: أن هناك صفتين أساسيَّتين لاختيار الرجال للأعمال: القوة والأمانة.
القوة تعني القدرة على العمل، والخبرة به، والكفاية فيه، والأمانة تعني أن يكون صاحب خلق وضمير ودين، فيرعى الله في العمل، ولا يسرق، ولا يختلس، ولا يضيِّع الأمر من أجل مصلحة شخصية له.
واجتماع هذين الأمرين في الناس قليل، القوة والأمانة، ولذلك كان عمر رضي الله عنه يشكو من ضعف الأمين وخيانة القوي، أو كما عبَّر عنه عجز الثقة، يشكو إلى الله عجز الثقة وجَلَد الفاجر([7]). الثقة الأمين عاجز وضعيف، والفاجر قويٌّ، هذا ما نراه للأسف! الطيِّبون الصالحون ضعاف لا شكيمة لهم ولا قوَّة، تجد أحدهم في المؤسَّسة أو الشركة أو الدائرة أو الوزارة ولا حول له ولا طول، والحرامي والإنسان الآخر قويٌّ يدوس مَن يقف أمامه، ويفترس بأنيابه ومخالبه، ولا يجد أحدًا يردُّه. هذا ما تُصاب به الأمم، أن يكون الخائن هو المقدَّم, أن يقدَّم الأشرار ويُؤخَّر الأخيار، أن يُقدَّم الجهَّال على العلماء، أن يُرجَّح المحاسيب على الأَكفَاء، هذا أسوء ما تصاب به الأمم.
تقديم العاجز وتأخير القادر نذير بهلاك الأمة:
إذا شاع ذلك في الأمة فقد اقتربت ساعتها، لكلِّ أمة ساعة، فإذا وُضع الأمر في غير أهله فقد دنت ساعة الأمة، روى البخاري، أن رجلا جاء يسأل النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم متى الساعة؟ فشُغل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عنه، فقال الصحابة: لم يسمع ما قال. وقال بعضهم: بل سمع ما قال، فكره ما قال. فلما فرغ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم من حديثة قال: "أين السائل عن الساعة؟". فقال: أنا يا رسول الله، قال: "إذا ضيِّعت الأمانة فانتظر الساعة". قال: وكيف إضاعتها؟ قال: "إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة"([8]). إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة، إذا وُسِّد الأمر إلى مَن هو ليس أهلاً له.
وقد جاء في بعض الأحاديث: "إذا ساد القبيلة فاسقهم، وكان زعيم القوم أرذلهم"([9]). أي شرُّهم وأسوأهم، هذا هو الفساد الذي يقرِّب ساعة الأمة، يدنيها من الهلاك والضياع والدمار. يقول الشاعر:
إذا أنت حمَّلت الخؤون أمانةً
فإنَّك قد أسندتها شرَّ مُسنَد[10]
3- خيانة العلم:
قد يخون الإنسان في المسؤولية في منصبه، قد تكون الخيانة في العلم، الخيانة في العلم أشدُّ من الخيانة في المال، أن يُوظَّف العلم لخدمة السلطان، أو في خدمة العوام من الناس، هناك مَن يحاول إرضاء السلاطين، يُفرِّخ لهم الفتاوى حسب الطلب، إن أرادوا حلالاً أحلَّ، وإن أرادوا حرامًا حرَّم.
وهناك مَن يوظِّف العلم في خدمة عوامِّ الناس، يرى ماذا يَروج عند الناس، فإن كان التشدُّد رائجًا شدَّد، وإن كان التساهل رائجًا تساهل. هذا خائنٌ في علمه.
ليس الذي يُشدِّد على الناس دائمًا هو الأمين، لا، بعض الناس يكون خائنًا لنفسه على حساب ضميره، هو في قرارة نفسه غير مقتنع بما يقول، ولكنه جاء بلدًا يتشدَّدون فيتشدَّد معهم، ويقول:
ودارهم ما دمت في دارهم
وأرضهم ما دمت في أرضهم[11]
هكذا نرى بعض الناس! هذه خيانةُ للأمانة خيانةٌ للعلم.
العلم أن يقول الإنسان ما يعتقد، حرام على العالم أن يفتي بخلاف ما يعتقد، أقلُّ ما يُطلَب منه أن يسكت ولا يقول شيئًا، إذا لم يقل الحقَّ فليسكت عن الباطل.
4- خيانة الأسرة:
هناك مَن يخون المال، هناك مَن يخون المنصب، هناك مَن يخون العلم، هناك مَن يخون أسرته، يخون زوجته، أو تخون زوجها، أو يخون أولاده، لا يقوم بحقِّهم.
هناك آباء ليس لهم من الأولاد إلا أنهم أنجبوهم، ولا يعرفون عنهم شيئًا، يذهب الأولاد إلى المدارس والأب نائم، ويأتي آخر الليل وأولاده نائمون، فلا يكاد يرى أولاده، أو يوجِّههم، فأين الأبوة؟ لا يعرف مَن نجح منهم ومَن رسب، هذه خيانة للأمانة.
"إن الله سائل كلَّ راعٍ عما استرعاه، حفظ أم ضيع"([12])، هكذا قال الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، وقال صلَّى الله عليه وسلَّم أيضًا: " كفى بالمرء إثما أن يحبس، عمن يملك قوته"[13].
وليس تضيع الأولاد ألا تُطعمهم وتكسوهم، لا، بل تضييعهم أن تحرمهم من رعايتك ومسؤوليتك، "كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤول عن رعيَّته، والرجل راعٍ في بيته ومسؤول عن رعيَّته"([14]).
ـــــــ
[1]- سبق تخريجه صـ.
[2]- سبق تخريجه صـ.
[3]- رواه أحمد (12383)، وقال مخرجوه : حديث حسن، وأبو يعلى (2863) ، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3004) ، عن أنس.
[4]- رواه أبو داود (3535)، والترمذي (1264) كلاهما في البيوع، وقال: حسن غريب، وصححه الألباني في الصحيحة (423)، عن أبي هريرة.
[5]- رواه أحمد (6652)، وقال مخرجوه : إسناده ضعيف لانقطاع، والحاكم في الرقاق (4/314)، وسكت عنه هو والذهبي، وصححه الألباني في الصحيحة (733) .
[6]- رواه أبو داود في الصلاة (1547)، والنسائي في الاستعاذة (5468)، وابن ماجه في الأطعمة (3354)، وصحح إسناده النووي في رياض الصالحين (1485)، وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار (3/88)، وحسنه الألباني في صحيح أبي داود (1383)، عن أبي هريرة.
[7]- مجموع الفتاوى لابن تيمية (28/ 254).
[8]- رواه البخاري في العلم (59)، عن أبي هريرة.
[9]- رواه الترمذي في الفتن (2211)، وقال : هذا حديث غريب، وضعفه الألباني في الضعيفة (1727)، عن أبي هريرة.
[10] - من شعر مالك بن القين الخزرجي.
[11] - من شعر ابن فضالة المجاشعي القيرواني.
[12]- سبق تخريجه .
[13] - رواه مسلم في الزكاة (996)، عن عبد الله بن عمرو.
[14]- سبق تخريجه .