| جميع الحقوق محفوظة © دار تقنية المعلومات IT Dar |

أمينه المفتي - اشهر جاسوسه عربيه للموساد- الجزء الاول

الموت البطيء

وحدها، انكمشت أمينة في محبسها بكهف السعرانة تنتظر الموت مع كل لحظة، يحاصرها إحساس بالخيبة بعدما أفلت مارون وخديجة من براثن الفلسطينيين، وتولت أمر محاكمتهما السلطات اللبنانية أمام محاكمها المختصة. لقد كانت تدرك عن قناعة أن زعامتها للشبكة هو سبب بقائها بالكهف دونهما، وبالتالي فإن مصيرها المجهول بين أيدي الفلسطينيين سيكون أشد قسوة وشراسة، لكنه على أية حال لا يساوي أبداً مع بشاعة جرمها. فبرغم اعترافاتها التفصيلية بالتجسس لحساب الموساد، إلا أنها أخفت عنهم الكثير من الأسرار، بالطبع هي أسرار بالغة الأهمية ستزيد ملفها تخمة، وقطعاً سينقلب اعتقاد الفلسطينيين في كونها جاسوسة كانت ضحية مغامرة عاطفية، الى جاسوسة عدوانية ترى في خيانتها نوعاً من الانتقام والتشفي، ذلك لأنها لم تنس يوماً مدى كراهيتها الشرهة للفلسطينيين، تلك الكراهية التي يحملها القوقازيون في الأردن لهم. فهي شركسية من سلالة هؤلاء الذين فروا من جبال القوقاز الى الوطن العربي، وكانت أسرتها تعمل في خدمة الملك حسين، شأنها في ذلك كشأن القوقازيين الذين يعملون في جيشه، واشتبكوا مع الفلسطينيين في حرب ضروس عام 1970، فاعتبرهم الفلسطينيون أعداء لهم، وهاجموا الأحياء التي يقطنوها فتبادلا الشعور بالكراهية تجاه بعضهم البعض. هكذا بدت كراهية أمينة للفلسطينيين ذات جذور، وهكذا أينعت مشاعرها وهي تهدي إسرائيل معلومات لا تقدر بثمن عن تحركاتهم ومخازنهم وعملياتهم.

وخلا ملف الاعترافات من توصلها لأسرار مخازن الهلال الأحمر التي يديرها شقيق ياسر عرفات، ففي هذه المخازن كانت تخبأ الأسلحة الخفيفة، والأسلحة المضادة للصواريخ في صناديق المهمات الطبية، مما جعلها دائماً عرضة للعمليات الجوية الإسرائيلية بناء على وشاياتها.. و أخفت أمينة أيضاً سر اختطاف إسرائيل لطائرة الخطوط الجوية اللبنانية "الشرق الأوسط" في 10 أغسطس 1973، وإجبارها على الهبوط في تل أبيب فقد كانت هي التي أبلغت الموساد بوجود جورج حبش على متنها، لكن حبش كان قد أصيب بأزمة قلبية منعته من ركوب الطائرة.. وقتها .. تأكد للفلسطينيين أن هناك اختراقاً إسرائيلياً لمنظماتهم، وجرى مسح شامل لمئات الأشخاص دون جدوى. و لم تكن أمينة في ذلك الوقت قد وقعت في دائرة الشك، فقد كانت مشبعة بثقة الفلسطينيين، حيث تعمدت ألا تظهر عداء مبالغاً فيه للصهيونية، وفي مناسبات مختلفة كثيراً ما عبرت عن رأيها في حق إسرائيل في امتلاك الأرض أيضاً. فأبعد ذلك التصرف الشكوك من حولها، فأي عميل إسرائيلي سيبذل ما بوسعه ليبدو عدواً لدوداً للصهيونية. لذا غادرت بيروت في حذر في جولة تفقدية، واستطاعت أن تمد الموساد بصور لمراكب وسفن الصيد واللنشات التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والراسية بمينائي صيدا ورأس شكا في الجنوب والشمال، والتي كانت معدة للعمليات الهجومية البحرية، ومكنت إسرائيل بذلك من تدمير ثلاثين قطعة منها في عملية انتقامية، وجاء ذلك بعد هجوم منظمة فتح البحري على المدينة الساحلية "نهاريا" عام 1974.

كل تلك الأسرار جاءت مفصلة بمذكرات أمينة المفتي التي نشرت في إسرائيل فيما بعد، فأضفت على جاسوسة الموساد هالة من الأساطير صعدت بها الى آفاق الخوارق، ونسبت اليها عمليات وهمية مختلفة عن اكتشافها مؤامرة لاغتيال السادات بوساطة الليبيين عام 1976، مهدت الطريق لكامب ديفيد بين مصر و إسرائيل، و كانت أمينة وقتذاك مكبلة بالجنازير الى الحائط داخل كهف السعرانة في جنوب لبنان، تنتظر نهايتها المرتقبة كالموت البطيء.

أحلام .. و رصاص

وما أن نشرت الصحف اللبنانية نبأ القبض على أمينة المفتي وأفراد شبكتها، حتى ارتجت جنبات الموساد بشارع كيريا بتل أبيب. و بدأت في الحال تخطيطاً لاستعادة العميلة الأسطورية. فتاريخ الموساد الطويل يسرد لنا عشرات القصص التي انتهت باسترداد جواسيسها، الذين اكتشف أمرهم وكانوا على قيد الحياة. ولهذه القاعدة تبرير منطقي وهو أن إنقاذ أي عميل يرفع الروح المعنوية للعملاء الآخرين، ويشجع الرجال والنساء على القيام بعمليات ومهام خطيرة أخرى. و لأن الفلسطينيين يدركون ذلك جيداً، رأى عرفات أن الإبقاء على أمينة بكهف السعرانة أمر ضروري حتى يحين الوقت المناسب لتقرير مصيرها النهائي، نابذاً بذلك رغبة علي حسن سلامة في إعدامها.

فقد كانت لعرفات رؤية مستقبلية بعيدة المدى، تنحصر في التريث لبعض الوقت، ومبادلتها بشخصيات فلسطينية بسجون إسرائيل. لكن سلامة الذي بدا غير قانع كان يرى في قتلها فوزاً أكيداً، إذ سيصاب عملاء إسرائيل في لبنان بالذعر، وبالتالي يسهل كشف العديد منهم إن لم يسارعوا بمغادرة بيروت. و لما فشل في إقناع عرفات بوجهة نظره، اضطر الى السكوت وكبح اندفاعة الشباب عنده. و بذلك ظلت أمينة حبيسة الكهف الجبلي، ترسخ في قيود الذل دون محاكمة، أو بصيص من أمل في النجاة. و في ذات الوقت الذي أدين فيه مارون الحايك بالحبس ثلاثة أعوام، وبعام واحد لرفيقته خديجة زهران - "راقب معي ميوعة الحكم في قانون العقوبات اللبناني ..!!" - نسجت أمينة المفتي خيوط شبكتها حول أحد حراسها، وأوهمته بأنها بريئة مما نسب اليها، وأن الفلسطينيين فعلوا بها ذلك نكاية في عمها الذي يشغل منصباً حساساً في البلاط الملكي الأردني، حيث تصور لهم أنه كان أحد المحرضين لمذابح أيلول الأسود. وبعد عدة أشهر - في مايو 1976 - كان غسان الغزاوي قد اقترب كثيراً من أمينة، وتعاطف مع محنتها الى الحد الذي دعاه للتفكير في تخليصها من السجن، وإن استدعى منه ذلك الهرب بها الى إسرائيل. لقد انقلبت نوبتجيته في الحراسة الى جلسة غرام تصطخب بالمشاعر والأمنيات. فكانت أمينة تمنحه جرعات متصاعدة من الأشواق واللهفة، تطيح بعقله وتعبث به الى دنيا جديدة من أوهام التمني. و لأنه نجار خائب لا يجيد صنعته، عاش سني حياته الثلاثين في حالة حرب دائمة مع الحياة بحثاً عن عيشة رغدة مريحة، لكن هيهات أن يراها كسول مثله، أوقف خبرته عند حد معين لم يستطيع تجاوزه، فتقهقرت إرادته وانزوى منسياً بين جدران جحره الرطب بمخيم الرشيدية في صور، يجرع الجوع واليأس ناقماً على حظه وعلى الدنيا كلها.

إن فاشلاً مثله استعبده الفقر والجهل السهل جداً إغواؤه والسيطرة عليه مادياً أو عاطفياً، فهو في الأصل لا يمكن أن يكون مؤمناً بقضيته أو مستوعباً لرسالة الكفاح من أجلها، ذلك لأنه أرجع فشله الى كل تلك الظروف التي تحيط به وبشعبه. و وطن نفسه على أنه مجرد ضحية لا ذنب له لكي يعيش معدماً شريداً، يفتقد أبسط مظاهر الحياة وأقلها ترفاً. هكذا قرأته أمينة وتخللت إليه في سهولة ما أيسرها على متخصصة في علم النفس مثلها، وأغوته بمكذوب العواطف تصبها صباً في أذنيه، فأذابته تماماً وهو المحروم اللاهث خلف الأحلام، وترقب عن كثب انسكاب مقاومته الخائرة، واستفحال رغبته في تخليصها أملاً في حياة هنيئة بإسرائيل. فكانت هي بذلك أول عميلة للموساد على الإطلاق، تجند حارسها في السجن للفرار بها الى خارج حدود الدولة. و جاء بمذكراتها فيما بعد أنها كانت تنوي النجاة بنفسها فقط، وتركه على الحدود يواجه مصيره وحده مع الفلسطينيين، حيث ستحال الأساطير في إسرائيل عن قصة هروبها العبقرية. لكن خابت أحلامها في المجد والتكريم.

وخابت أحلامه أيضاً في الثراء والنعيم، عندما أفضى بسره الى أحد رفقاء فقره في المخيم، فأبلغ السلطات الفلسطينية عنه وتمت مراقبته، وضبط وهو يحاول إدخال بزة عسكرية الى الكهف لترتديها أمينة أثناء الهرب. و انتهت أحلام الخائن برصاصات أخترقت صدره في أكتوبر 1976، وبتضعيف القيود الحديدية بأيدي الخائنة ورجليها، وشدها الى الحائط مصلوبة وبأقل قدر من الطعام والشراب، الى أن تقيحت أطرافها المختنقة بالقيود، وعمل معول الهزال بجسدها كما يعمل معول النحات الماهر بمادته الصخرية، فعاشت ذابلة كالموتى لا يميزها عنهم سوى ارتعاشة الأطراف، وزوغان حدقتين لا تبصران إلا الخوف والظلام..!

أقصى درجات الأمن

مرت خمس سنوات منذ اعتقلت أمينة المفتي، وفي نوفمبر من عام 1979 تحديداً، نشطت تحركات الصليب الأحمر الدولي، وتكثفت الاتصالات مع الفلسطينيين من أجل مبادلتها. و كان العرض الاسرائيلي هزيلاً قياساً بجواسيس آخرين، فقد أبدوا رغبتهم في مبادلتها بفلسطيني واحد، شريطة ألا يكون متهماً بقتل إسرائيليين من المدنيين أو الجنود. فرفض عرفات العرض الاسرائيلي، واشترط لمبادلتها الإفراج عن اثنين من أشهر الفدائيين الفلسطينيين بمعتقل عتليت، وهما: محمد مهدي بسيسو المولود عام 1941 في غزة والمحكوم عليه بالمؤبد لقيامه بعملية فدائية بواسطة زورق عام 1971, وأسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من الاسرائيليين. و وليم نصار المولود عام 1942 في القدس، والمحكوم عليه بالمؤبد أيضاً لقتله ثلاثة إسرائيليين عام 1968 بالقدس.

لكن الرد الفلسطيني قوبل بتعنت إسرائيلي شديد، وأسر ممثل الصليب الأحمر لعرفات بأن أمينة لا تساوي شيئاً عند الاسرائيليين، فهم يصنفونها على أنها مجرد خائنة لوطنها، باعت دينها وأهلها من أجل نزوة، ومن المستحيل أن تخلص تماماً لإسرائيل أو تدين بها بالولاء. و ذكره الممثل الدولي بما حدث للمهندس السويسري الفريد فرانكشت الذي أدين بالسجن ثماني سنوات عام 1971، عندما تبين أنه أمدّ إسرائيل بعدة أطنان من تصميمات الطائرات الفرنسية ميراج 3، بعد تجنيده لأسباب أيديولوجية تتعلق بعقدة الذنب، وعندما أفرج عنه بعد أربع سنوات ونصف السنة، قرر السفر لإسرائيل لحضور الاحتفال بإنتاج الطائرة "كافير" - النموذج المعدل من الميراج 3 - فرفضت الموساد أن تدفع ثمن تذكرته من سويسرا، وقوبل في إسرائيل بتجاهل تام، وشعر أنه تعرض للنسيان والتخلي عنه، ذلك أن مهمته انتهت ولم يعد ذا شأن. لكن عرفات لم يأبه لذلك. و لم يتراجع قيد أنملة عن مطلبه، وصرح لممثل الصليب الدولي أنه يتعرض لضغوط شديدة للموافقة على إعدام أمينة المفتي. و أنه طالما ترفض إسرائيل الاستجابة و المرونة، فقد يوافق على إعدامها أمام شاشات التليفزيون لتكون عبرة لكل من يفكر في التعامل مع الموساد. و عندها، أصيب رئيس الموساد إسحاق حوفي (1974 - 1982) وكبار مساعديه بالذعر. فإعدام أمينة على الملأ أمام العدسات أمر خطير من شأنه إصابة جواسيس الموساد في البلاد العربية بالهلع وبالشلل، وقد يتسبب في تعطيل عمل شبكات عملائها المذعورين التي أنفق عليها ملايين الدولارات، مما يهدد تدفق سيل المعلومات الحيوية التي تعتمد عليها إسرائيل، سياسياً، وعسكرياً، واقتصادياً، وكان قرار إسحاق حوفي النهائي تلبية مطلب الفلسطينيين على أن يترك لمنظمة الصليب الأحمر العالمية حرية اختيار الدولة التي ستتم عملية المبادلة على أرضها وتحت حمايتها، بما يضمن الحيلولة دون وقوع كارثة قد يفكر بها الفلسطينييون.

وعلى ذلك .. نشطت المنظمة العالمية في اتصالاتها، ورفضت حكومة إيطاليا واليونان وبلغاريا وفرنسا التدخل، بينما وافقت حكومة تركيا ورومانيا وقبرص على تأمين الحماية التامة للطرفين فوق أراضيها وفي أجوائها، وتعهدت جميعاً بتوفير أقصى درجات الأمن لإتمام عملية المبادلة بسلام. من جانبها أعلنت منظمة التحرير الفلسطينية ترحيبها واختيارها لدولة قبرص، وأعلنت إسرائيل موافقتها على قبرص أيضاً، شريطة تدخل ممثل عن الأمم المتحدة لضمان الأمن، فأغضب الشرط الإسرائيلي القبارصة الذين اعتبروه "عدم ثقة" في قدراتهم على تحمل المسؤولية كاملة. لكن السفير الاسرائيلي في قبرص تقدم باعتذاره في الأول من فبراير 1980 و أبدى ثقته في السلطات القبرصية مشيداً بالعلاقات الحميمة بين البلدين و بالمصالح المشتركة بينهما. ولم يمض سوى يوم واحد حتى أعلن وزير الداخلية القبرصي، بأنه قد تحدد يوم 13 فبراير 1980 موعداً لعملية التبادل على أرض مطار لارنكا الدولي، وإغلاق المطار أمام الملاحة الدولية ابتداء من الساعة 14:00 حتى الساعة 2:50 (!!)