| جميع الحقوق محفوظة © دار تقنية المعلومات IT Dar |

السياسات المالية بين الافكار والأزمة العالمية …!!!

دكتور / جمال محمد شحات
محاسب قانوني ومستشار مالي
زميل المعهد الامريكى للمستشارين الماليين
زميل المعهد الامريكى للرقابة الداخلية
Ph.D، MBA، CFC، CFA، CPM، MFM، CICA، CRA




السياسات المالية بين الافكار والأزمة العالمية …!!!




من المعروف ان السياسات المالية والنقدية المتبعة فى اى دولة من الدول تتوقف على الفكر السائد للدولة او الحكومة مثل الفكر الراسمالى او الفكر الاشتراكى.

والسياسة المالية هي مجموعة من الأساليب والقواعد و الإجراءات و التدابير التي تتخذها الدولة لإدارة النشاط المالي لها بأكبر كفاءة ممكنة، لتحقيق مجموعة من الأهداف الاقتصادية والاجتماعية و السياسية خلال فترة زمنية محددة، ويقصد بها الطريق الذي تنتهجه الحكومة في تخطيط الإنفاق العام وتدبير وسائل تمويله كما يظهر في الموازنة العامة للدولة. وقد تطور هذا المفهوم حسب الدور الذي كانت تلعبه الدولة في النشاط الاقتصادي فقد كانت السياسة المالية سياسة محايدة ولكن بعد ظهور النظرية العامة الكينزية أصبحت السياسة المالية متداخلة.

وقد راينا ابان الازمة المالية العالمية مؤخرا كيف ان الولايات المتحدة الامريكية وهى سيدة الفكر الراسمالى العالمى قد تبنت سياسات مالية قد لا تندرج تحت السياسات المالية المعروفة فى الفكر الراسمالى التقليدي.!!

ولا اريد ان استرسل فى هذه الجزئية واذكر على سبيل المثال ( الصين ) وتبنيها بعض السياسات المالية التى قد لاتكون سياسات مالية ضمن منظومة الفكر الاشتراكى.!!

وقد أصبحت النظريات المالية الحديثة أكثر تدخلا في مستويات النشاط الاقتصادي بالتأثير في مستويات الطلب الفعلي وعناصره وكما يقول آرثرسميتز في بحثه الرقابة على التضخم أن السياسة المالية تهدف أساسا إلى التحكم و إلى ضبط الطلب الكلي، فالرقابة المتوازنة للسياسة المالية تعني إحداث عجز في المالية أو فائض فيها تبعا لأحوال النشاط الاقتصادي من بطالة ورواج.

ففي حالة الرواج تتطلب سياسة تحقيق الفائض في الميزانية تخفيض حجم الإنفاق الكلي أو الطلب الفعلي وذلك بصفة مباشرة عن طريق تخفيض نفقاتها وبصفة غير مباشرة برفع معدلات الضرائب على الاستهلاك لإنقاص الإنفاق الاستهلاكي و رفعها على معدلات الأرباح لإنقاص الإنفاق الاستثماري، و هذا بدوره يؤدي إلى تخفيض حجم الإنفاق الكلي إلى المستوى اللازم لتحقيق العمالة الكاملة والقضاء على التضخم. ولكن يصعب تطبيق أفكار النظرية الكينزية على البلدان النامية لما تتسم به اقتصادياتها من تخلف و ضعف الكفاية الإنتاجية.

وهذا ما يحدث فى معظم بلادنا العربية حاليا نظرا لانه لايوجد ما يعرف بالفكر المحدد فى ادارة هذه البلدان سياسيا وبالتبعية اقتصاديا او ماليا وكذلك يندرج هذا القول على معظم ان لم يكن كل البلدان النامية.

وبذلك فالسياسة المالية يتم استخدامها لزيادة فعالية السياسة النقدية في معالجة الأزمات الاقتصادية. و رغم تنوع أدوات السياسة المالية بعد ذلك فقد ظلت حتى الوقت الحاضر أحد المكونات الأساسية للسياسة الاقتصادية الكلية في أي برنامج اقتصادي لأي دولة، و رغم تنافسها مع السياسة النقدية في هذا المجال. و نتناول هنا أدوات السياسة المالية في الرقابة الضريبية و الرقابة على الدين العام و كذلك الرقابة على الإنفاق العام.

ولعلنا نجد ضمن اختلاف الدول العربية والدول النامية اتباع سياسات نقدية ومالية هى خليط من الفكر الراسمالى او الاشتراكى دون وجود حدود واضحة او فاصلة لهذا الفكر او ذاك.!! بل لا اكون مغاليا اذا قلت ان من يطبقون تلك السياسات من وزراء او مستشارين ينتمون الى مدرسة فكرية غير تلك التى افتوا بسياساتها.!! فهاهم بعض الوزراء ممن يحسبون على الفكر الاشتراكى يتبعون سياسات مالية ( او فى جزء منها على الاقل ) افكارا وسياسات تعتبر من اساسيات الفكر الراسمالى.!! وكما اسلفنا فان امريكا زعيمة الراسمالية فى العالم تطبق بعض السياسات المالية مما كانت تحسب – حتى وقت قريب – ضمن ابجديات الفكر الاشتراكى البحت.!!

ولعل فكرة الرقابة الضريبية تسيطر على أهم بنود النظرية الضريبية كجزء من سياسات المالية العامة للتحكم في عوامل الإنفاق العام وكإحدى المتغيرات التي تستخدمها سياسة الميزانية في الرقابة على التضخم وتعتبر سياسة الرقابة الضريبية ذات أثر فعال في ضبط حركات التضخم خاصة في البلدان النامية حيث تعتمد سياسة الرقابة الضريبية لزيادة متحصلات الخزينة العامة من الإيرادات والأصول العامة و ذلك بزيادة الإيرادات من متحصلات الضريبة المرتفعة وخفض النفقات العامة.

و لكن قد تتعارض فعالية هذه السياسة مع الطبيعة البنيانية للاقتصاديات النامية كبدائية الأنظمة المالية والمصرفية و تخلف التراكيب الخاصة بالأجهزة الضريبية، وقصور أوعيتها فضلا عن عدم مرونتها، إن زيادة الضرائب لرفع إيرادات الموازنة أو تخفيض عجزها يمكن أن يساهم في الحد من التضخم لكنه يؤدي إلى بعض الصعوبات ويمكن سرد بعض القيود التي تتعرض لها سياسة الرقابة الضريبية – ولعل ارتباط الرقابة الضريبية بمتغيرات متحركة: كالأجور يقلل من فعالية هذه السياسة فارتفاع الأجور يضعف من فعالية سياسة التخطيط المالي و الحسابي، ويمكن القول أن فعالية الرقابة الضريبية تعتمد إلى حد كبير على المواقف النهائية لرؤساء النقابات العمالية المهنية!!.

بالرغم من المشاكل والعوائق التي تحول دون حسن تطبيق الرقابة الضريبية فإنها تعتبر السياسة الأكثر فعالية لضبط التضخم و الحد من ضغوطه خاصة في الدول التي تعرف جمودا في نظامها المالي و عدم كفائتة،وهو ما جعل الكثيرين يعترضوا على بعض الضريبة العقارية فى مصر والتى قوبلت بهجوم غير عادى على وزير المالية نظرا للعديد من الاسباب والعوائق التى تحول دون تطبيق هذه الضريبة فى مصر.!! ولعل اولها بل أهمها وهو عدم وجود حصر دقيق للعقارات الخاضعة لمثل هذه الضريبة أو للاشخاص الخاضعين لها.!! بل العجيب ان تطلب الدولة من الاشخاص تحديد عملية خضوعهم لهذه الضريبة من عدمه.!! ولذلك فان هذه السياسة تبقى مشروطة النجاح بمدى توفيق السلطات في اختيار السياسات الضريبية المناسبة و بصورة خاصة نوعية الضريبة المطبقة مع الأخذ بعين الاعتبار هيكلة الاقتصاد الوطني..!! وكذلك يمكن القول ان سياسة الرقابة الضريبية مع سياسة تقييد الإنفاق الحكومي في معالجة التضخم تتعارض مع السياسات التنموية و ضرورة التنمية الملحة في البلدان المتخلفة او البلدان النامية ( تأدبا).!! والسياسات المالية هي الأكثر فعالية في مراقبة التضخم إنما هي نتاج الأفكار الكينزية.

و لأول مرة تطبق فعالية أدوات الرقابة المالية من نفقات حكومية و ضرائب وقروض عامة في مكافحة البطالة و الكساد قد تم خلال أزمة الكساد العالمى الكبير سنة 1929. ولكن تطبيق هذه السياسات بحذفيراها خلال الازمة المالية العالمية الحالية امر يحتاج الى نظر وتمحيص بالغ .!! ورغم الانتقادات الموجهة للسياسة المالية و دورها في معالجة التضخم فإنها أصبحت الوسيلة الرئيسية لمواجهة القوى التضخمية وخاصة بعد الازمة العالمية.!! كما يوصي معظم الاقتصاديين بوجوب استخدام السياسة المختلطة( المالية والنقدية معا) في ضبط التضخم حتى لا يكون أي تعارض بينهما من أجل تحقيق وسيلة فعالة للاستقرار الاقتصادي.!! كما ان اعتبار عامل الزمن مهم جدا فى هذه التفرقة حيث يكون تأثير السياسات المالية على المدى الطويل اما تأثير السياسات النقدية فيكون على المدى القصير ..!! ولهذا نجد ان الدول اتبعت هذا المزيج او الخليط من السياسات المختلطة لمواجهة التضخم الذى سبق الازمة العالمية او ذلك التضخم الذى اعقبها فى بعض الدول .!!

خلاصة القول ان السياسات المالية والنقدية اصبح لها دور فى معالجة الازمات التى تحيق بنا بصرف النظر عن الفكر السائد لاصحاب القرار السياسى والاقتصادى التقليدى … وهذا ما اسفرت عنه الازمة المالية العالمية …!!