تهادوووو تحابوو

بسم الله الرحمن الرحيم

الهدية وأحكامها


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
للهدية عظيم الأثر في استجلاب المحبة وإثبات المودة وإذهاب الضغائن وتأليف القلوب.
* وهي دليل على الحب وصفاء القلوب ، وفيها إشعار بالتقدير والاحيرام ، ولذلك فقد قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، قبلها من المسلم والكافر ، وقبلها من المرأة كما قبلها من الرجل ، وحث النبي صلى الله عليه وسلم على التهادي وعلى قبول الهدايا .
* فكم من ضغينة ذهبت بسسبب هدية !!
* وكم من مشكلة دفعت بسبب هدية !!
* وكم من صداقة ومحبة جلبت بسبب هدية !!
* وها هي جملة نصوص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ، باب قبول الهدية ومجازاة من أهدى إليك ، والحث على الإهداء والهدية من الكافر ومن المسلم وللكافر والمسلم ، والموانع التي قد تتدخل لمنع الهدية ولمنع قبولها أو كراهيتها وكراهية قبولها . وبالله التوفيق .
* أخرج البخاري رحمه الله تعالى ( /2585 / وقد أعله بعض العلماء بالإرسال وهو الصواب لكن انظر إلى الشواهد التي ذكرناها في هذا الباب) من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كان سول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها .(ومعنى يثيب عليها : أي يجازي المهدي بهدية أيضا ) .
* وفي الصحيحين (البخاري:2576 ومسلم :1077) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتي بطعام سأل عنه : أهدية أم صدقة ؟ فإن قيل صدقة قال لأصحابه : (كلوا ) ولم يأكل وإن قيل : هدية ضرب بيده صلى الله عليه وسلم فأكل معهم .
* وكان الأنصار يهدون لرسول الله صلى الله عليه وسلم ففي الصحيحين (البخاري:2567)
من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت لعروة : ابن أختي إن كنا لننظر إلى الهلال ثم الهلال ثلاثة أهلة في شهرين ، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار فقلت : يا خالة ما كان يعيشكم ؟ قالت : الأسودان التمر والماء ، إلا أنه قد كان لرسول الله جيران من الأنصار كانت لهم منائح وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم من ألبانهم فسقينا. (منائح : النوق أو الشياه )
* وأخرج الإمام أحمد(في المسند :4/189 ، وله شاهد يصح به قصة إسلام سلمان عند أحمد:5/441) بإسناد حسن من حديث عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة .
* وفي (سنن أبي داود:4235 وابن ماجه:3644) بإسناد حسن عن عائشة رضي الله عنها قالت : قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم حلية من عند النجاشي أهداها له فيها خاتم من ذهب فيه فص حبشي ، قالت : فأخذه رسول الله بعود معرضا عنه أو ببعض أصابعه ثم دعا أمامة أبي العاص بنت ابنته زينب فقال ( تحلي بهذا يا بنية ) .

الحث على الهدية ولو بالقليل
* وحث النبي صلى الله عليه وسلم على الإهداء ولو بالقليل فقال عليه الصلاة والسلام : ( يا نساء المسلمات لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة ).
أخرجه البخاري :2566 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا.
{ لجارتها : وقد تطلق الجارة على الضرة أحيانا ، وهي هنا عامة فالمراد جارة المنزل والمراد الضرة أيضا ، والله أعلم } .والفرسن هو موضع الحافر ، والمراد أن النبيصلى الله عليه وسلم حث المرأة على الإهداء لجارتها والجود بما تيسر عندها ، وإن كان هذا المهدى قليلا فهو خير من العدم ، وهو دليل على المودة ، وفي الحديث أيضا حث للمهدى إليها على قبول الهدية وإن قلت الهدية فهي دليل على تقدير المهدية للمهدى إليها .
* وروي أيضا عن البني صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( تهادوا تحابوا).
أخرجه البخاري في الأدب المفرد/594/ ومن المعلوم أن الأدب المفرد للبخاري غير صحيح البخاري ، والحديث إسناده حسن لشواهده.

الحث على قبول الهدية
وأخرج( البخاري في الأدب المفرد: 157)بإسناد صحيح عن عبد الله ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( اجيبوا الداعي ولا تردوا الهدية ولا تضربوا المسلمين). أخرجه أحمد في المسند :1/404 وأبو يعلى:9/284 وابن شيبة في المصنف :6/555 . ذكر فريق من العلماء أن القاضي يحرم عليه قبول الهدية ، خاصة ممن يقضي بينهم أو ممن يظن أنه سيقضي بينهم أو ممن يشفع عنده في الأقضية .

قبول النبي قليل الهدية وكثيرها
* وكان عليه الصلاة والسلام يقبل القليل كما يقبل الكثير .
ففي الصحيح (البخاري:2568) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ، ولو أهدي إلي ذراع أو كراع لقبلت ).
والكراع من الدابة ما دون الكعب .
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله ( فتح الباري :5/236) : وخص الذراع والكراع بالذكر ليجمع بين الحقير والخطير لأن الذراع كانت أحب إليه من غيرها ، والكراع لا قيمة له .

إذا رددت الهدية فبين سبب ردها جبرا للخاطر
( إذا كان الخاطر يجبر بذلك ، أما إذا كان الخاطر يكسر ببيان سبب الرد فلا تبين والله أعلم )
* وكان إذا رد هدية علل سبب الرد جبرا لخاطر المهدي .
ففي الصحيحين ( البخاري:2573 ومسلم 1193) من حديثالصعب بن جثامة رضي الله عنه أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارا وحشيا ، وهو بالأبواء أو بودان ، فرده عليه فلما رأى ما في وجهه قال : ( أماإنا لم نرده عليك إلا أنا حرم ) .
* قال الحافظ البن حجر رحمه الله : وفيه أنه لا يجوز قبول ما لا يحل من الهدية .

قبول الهدية من النساء
(محل ذلك إذا أمنت الفتنة كما سيأتي التنبه عليه إن شاء الله تعالى )
* وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية من النساء كذلك .
ففي الصحيحين ( البخاري: 2575 ومسلم ص 1544) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : أهديت أم حفيد خالة ابن عباس إلى النبي صلى الله عليه وسلم أقطا وسمنا وأضبا فأكل صلى الله عليه وسلم من الأقط والسمن وترك الأضب تقذرا .
قلت : وفيه من الفقه أن المهدي إذا أهدى هدية ورد منها شيء لعلة فلا يحزن ويلتمس العذر لمن رد الهدية أو جزاء منها ما دامت العلة واضحة .
* وأخرج الإمام أحمد (المسند:4/189) بإسناد حسن من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنه قال: كانت أختي تبعثني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهدية فيقبلها .

لا ترجع في هبتك
وشيء سيئ أن تهدي ثم تعود في هديتك وترجع في هبتك فأولى لك أن لا تهدي أصلا أفضل من أن تهدي وترجع في هديتك فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :
( العائد في هبته كالكلب يرجع في قيئه ) . { البخاري:2589 ومسلم:1622 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا } .

إياك أن تهدي ثم تمن
وكذلك لا تهدي ثم تمن على من أهديت له ، فإن الله سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم : ( قول ومعروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى) .
{البقرة:263،264} .
فلا تعطي الأعطيات وهب الهبات وتقدم الصدقات ثم تتبع ذلك بالمن فالمن يبطل ثواب الصدقات وثواب الهدايا قضلا عما يدخر للمنان من العذاب .
* قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ) قال فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث مرار ، قال أبو ذر : خابوا وخسروا ، من هم يارسول الله ؟ قال : ( المسبل والمنان والنفق سلعته بالحلف الكاذب ) .اخرجه مسلم :106 من حديث أبي ذر رضي الله عنه مرفوعا .
* وفي رواية أخرى عند مسلم أيضا : ( المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منه ) .

الهدية من أحد الزوجين للآخر
* وللهدية من أحد الزوجين للآخر أثر طيب في توطيد أواصر المحبة وتنمية مشاعر الود ، ومن ثم قال الله تبارك وتعالى : ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا ) . {النساء:4}.
أي : إن طيبت المرأة نفسها وأعطت زوجها من صداقها فلا حرج على الزوج في قبوله والأكل منه ، فليأكله هنيئا مريئا .
وبالنظر إلى الآية الكريمة ، نرى _ والله أعلم _ أن الزوجة إذا أهدت إلى الزوج تهدي إليه شيئا من الصداق ، ليس كل الصداق ، وذلك حتى تبقى لنفسها شيئا تتصرف فيه عند احتياجاتها الخاصة ، والله أعلم .
وكذلك للهدية من الزوج لزوجته عظيم الأثر في جلب مودتها ودفع الوساوس عنها وإثبات محبتها ، وهي دليل على التراحم وخاصة إذا صحبت بالكلمات الطيبة والعبارات المريحة والابتسامات الصادقة .

وإذا كان عندك هدية واحدة فلمن تهديها ؟
تهديها للأقرب فالأقرب ، قرابة النسب وقرابة الجوار ؛ فها هي ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم كان لها وليدة ( أي : أمة من الإماء ) فأعتقتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم : (أما إنك أعطيتيها أخوالك كان أعظم لأجرك) . { البخاري :2592 ومسلم :999 }.
فمع انها أعتقت الأمة فهي _ بلا شك إن شاء الله _ مأجورة لعتقها الرقبة ولكن هنا فاق أجر الهدية أجر العتق لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( ولو وصلت بها بعض أخوالك كان أعظم لأجرك ) .
فالهدية في بعض الأحيان تفوق الصدقة في الأجر ، وذلك إذا وقعت موقعها في التأليف والوصل وابتغاء الأجر والثواب .
* وأخرج البخاري: 2595 من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : قلت : يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أهدي ؟ قال : ( إلى أقربهما منك بابا ) .
* فيستفاد من هذين الحديثين أن القريب يقدم على الغريب وأن الأقارب إذا استووا في درجة القرابة قدم الأقرب بابا ، وهذا كله إذا كان هؤلاء محل احتياج ، والله أعلم .

قبول الهدية من المشركين والإهداء لهم
( ومحل ذلك إذا لم تكن رشوة عن الدين أو للإقرار على الباطل )
* وقبل نبينا صلى الله عليه وسلم الهدية من المشركين .
ففي الصحيح ( البخاري:3161 ومسلم :1392 ) من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: غزونا مع النبي صلى الله عليه وسلم تبوك ، وأهدى ملك أيلة للنبي صلى الله عليه وسلم بغلة بيضاء وكساه بردا .
وفي الصحيحين ( البخاري:2617 ومسلم :2190 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه .) كذلك أن يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم بشاة مسمومة فأكل منها .
* وأهدي أكيدر دومة الجندل إلى النبي صلى الله عليه وسلم حلة . ( البخاري معلقا:2616 ومسلم متصلا من حديث أنس رضي الله عنه .) .
* وانظر ترجمة مارية رضي الله عنها ( أم إبراهيم عليه السلام وسرية رسول الله صلى الله عليه وسلم في الإصابة ) فقد ذكر هناك أن المقوقس أهداها لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
* وأيضا فإن إبراهيم الخليل عليه السلام لما دخلت زوجته سارة على الجبار الكافر ورد الله يده وكبته الله أهداها هذا الكافر هاجر رضي الله عنها.
(البخاري :2635 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : هاجر إبراهيم بسارة فأعطوها آجر فرجعت فقالت : أشعرت أن الله كبت الكافر وأخدم وليدة ؟! والحديث مطول في مواطن أخر من الصحيح.
* وكذلك فالإهداء للمشركين جائز ، قال تعالى : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون ) . {الممتحنة:8 ـ9}.
* وفي الصحيحين من حديث أسماء بنت أبي يكر رضي الله عنها ، قالت : قدمت علي أمي وهي مشركة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت : إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصل أمي ؟ قال : ( نعم صلي أمك ) . أخرجه البخاري:2620 ـ5978 وهناك قال ابن عيينة فأنزل الله تعالى فيها : ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين .. .. ) .{الممتحنة:8 ـ 9} وأخرجه مسلم:3/41 .
* وأهدي عمر حلة لأخ له مشرك بمكة قبل أن يسلم أخوه (انظرالبخاري:2619) .
* لكن إذا كان هذا الكافر سيتقوى بهذه الهدية على المسلمين ويؤذيهم ويتمرد عليهم ويتجبر فحينئذ لا يهدي إليه و لا كرامة.
* وأخرج الترمذي :1943 وأبو داود:5152 والبخاري في الأدب المفرد:105 بإسناد صحيح من طريق مجاهد أن عبد الله بن عمرو ذبت له شاة في أهله فلما جاء قال : أهديتم لجارنا اليهودي ؟ أهديتم لجارنا اليهودي ؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ) .
منقول