خريطة الاستثمار في 2019

هل يحرّك الخوف من تفويت الفرصة سلوك المستثمرين في عام 2019؟ لقد أطلق المختصون على تلك الفرضية اسم "فومو" Fomo.
هذا هو الاسم المختصر الذي يعتقد المختصون في نقاش توقعات الاستثمار السنوية ضمن منتدى "ف. ت. موني" FT Money أنه أفضل وصف للمعضلة التي سيواجهها المستثمرون في العام المقبل، عندما يُصبح من الصعب أكثر معرفة ظروف السوق.
عادت التقلبات بطريقة مثيرة في الربع الأخير من هذا العام، حيث دخل كثير من المجالات المختلفة من الأسواق العالمية "منطقة التصحيح"، مع انخفاض بنسبة 20 في المائة أو أكثر. المستثمر الأكثر تفاؤلا سينظر إلى هذا الانخفاض على أنه فرصة شراء محتملة، لكن مع اشتداد حدة اللبس السياسي على جانبي المحيط الأطلنطي، يجب عليهم الموازنة بين الخوف من تفويت الفرصة Fomo وبين الخوف من خسارة المال Folm.
كان فريقنا من المختصين يتكون من: ميرين سومرست ويب، كاتبة عمود في "فاينانشيال تايمز" ورئيسة تحرير "موني ويك" كريس جايلز، محرر الاقتصاد في "فاينانشيال تايمز" مايكل ماكينزي، معلّق أعلى في الاستثمار في "فاينانشيال تايمز"؛ مويرا أونيل، رئيسة قسم التمويل الشخصي في "إنتراكتيف إنفستر"؛ وريتشارد باكستون، الرئيس التنفيذي لشركة ميريان جلوبال إنفسترز.
هل سنشهد مزيدا من تقلبات الأسواق العام المقبل؟
ميرين سومرست ويب: قبل 12 شهرا، قلت إنني أتوقع أن يكون 2018 العام الذي يُلاحظ فيه المستثمرون التغيير الكبير المفاجئ، الذي يحدث في أسواق السندات حيث إن التسهيل الكمي QE انقلب إلى التشديد الكمي QT.
كنا محقين في القول إن الأسواق كانت في طريقها إلى نهاية دورة كبيرة مستمرة منذ 30 عاما، وهذا كان هو العام الذي عاد فيه كل شيء إلى الوطن، بالنسبة إلى شركات التكنولوجيا الكبيرة أيضا. تحدثنا كذلك عن إلى أي مدى ستُصبح الأسهم المحلية البريطانية رخيصة، وأعتقد أننا ربما نستطيع أن نقول هذا مرة أخرى، باستثناء أنها باتت حتى أرخص الآن مما توقعنا من قبل.
كريس جايلز: خلال العامين الماضيين، كان الشعور العام بنهاية السنة خاطئا بشكل فظيع. بعد تصويت "بريكست" وانتخاب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في عام 2016، كان مختصو الاقتصاد والمستثمرون خائفين جدا بشأن عام 2017، إلا أنه تبيّن أنه عام رائع بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي.
ثم في نهاية عام 2017، كان الجميع متفائلا جدا بشأن عام 2018، لكن تبيّن أنه مُخيب جدا للآمال في كل مكان، باستثناء الولايات المتحدة.
الآن، يخشى عدد أكبر من الناس أن عام 2019 قد يكون العام الذي يتراجع فيه العالم إلى حالة ركود. الاقتصاد العالمي تباطأ بشكل حاسم. وهناك حديث لا نهاية له حول ما إذا كان انعكاس منحنى العوائد في الولايات المتحدة هو أداة ذات مصداقية للتنبؤ بحالة ركود، لكن يوجد إحساس عام بالسلبية لم يكن هنا العام الماضي.
لذلك السؤال هو: هل ستنتعش الأوضاع، لتجعل نهاية العام تبدو خاطئة للعام الثالث على التوالي؟ أم سيثبت أن المتشائمين على حق؟
مايكل ماكينزي: سيطرح المستثمرون السؤال التالي: هل سنحصل على سوق هابطة في أسهم البلدان المتقدمة في عام 2019، أم هل هو تصحيح؟ إذا كان الأخير، فعندها في مرحلة ما تستطيع محاولة الشراء، أثناء انخفاض السوق. على أن اتجاه الشراء منذ تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، في وضع انخفاض السوق لم ينجح في الواقع.
تشير حسابات بنك مورجان ستانلي أخيرا إلى أن 21 فئة من فئات الأصول الرئيسية في أنحاء العالم سلبية هذا العام من حيث القيمة الحقيقية. لم نشهد ذلك منذ السبعينيات، وهذا دليل آخر على كيفية تغيير التشديد الكمي لقواعد اللعب بالنسبة إلى كثير من المستثمرين.
الشيء الآخر المُثير للاهتمام لهذا العام كان عودة النقود. سألت كثيرا من المستثمرين عن مركزهم في الاستثمار النقدي خلال الأشهر الـ 12 الماضية، وقال معظمهم "هذه أعلى نسبة للنقدية في الاستثمار حصلت عليها". في الواقع، أحد مديري الاستثمار الذي تحدثت معه الشهر الماضي حصل على وزن للنقدية بنسبة 25 في المائة.
ميرين: إذن قبل عام، كل شيء كان مكلفا فوق الحد؛ الآن كل شيء مخيف فوق الحد.
مايكل: إنه الخوف من تفويت الفرصة مقابل الخوف من خسارة المال.
في هذه اللحظة، أود أن أقول إن مزيدا من المستثمرين يقعون ضمن المعسكر الأخير، فهم يعودون إلى النقود والأسهم الدفاعية الفائقة مثل شركات المنافع والرعاية الصحية، على الرغم من أن أسهم الرعاية الصحية الأوروبية بدأت الآن في التحول.
ما يُثير القلق هو عندما ترى شركات المنافع تتداول بنسبة سعر إلى الأرباح المستقبلية أعلى من شركات التكنولوجيا؛ فإن ذلك يعني من الواضح أن كثيرا من المستثمرين ينقلون أموالهم في ذلك الاتجاه.
أما بالنسبة إلى مخيم "الخوف من تفويت الفرصة"، فهم يراهنون على أنه لا تزال هناك موجة فرح نهائية واحدة باقية في هذه السوق.
هل الاحتفاظ بمستويات عالية من النقود هو شيء يشترك فيه كبار المستثمرين المحترفين مع المستثمرين الأفراد الأصغر؟ سؤال يظل بحاجة إلى إجابة.
مويرا أونيل: من البيانات على منصة إنتراكتيف إنفستر، أستطيع أن أرى أنه في المتوسط، يحتفظ المستثمرون الأفراد في المملكة المتحدة من جميع الفئات العمرية حاليا ما نسبته 18 في المائة من محفظتهم على شكل نقود.
هذا وضع قد يرتفع إلى 24 في المائة لمن هم دون سن 35 عاما. هذه في الواقع نسبة مرتفعة جدا، وإذا احتفظوا بالأموال في الوقت الذي يكون فيه لدى المدير مركز نقدي مرتفع، فإن النسبة قد تكون أعلى بكثير مما يدركون.
نحن نعتقد أن المستثمرين في المملكة المتحدة مترددون بسبب "بريكست". إحدى النظريات لتفسير ذلك يمكن أن تكون أنهم يحتفظون بالنقود تحسبا لمزيد من الانخفاض، وعند هذه النقطة سيُراكمون النقود مرة أخرى. أو أنهم ربما لا يعرفون فقط ماذا يشترون. ريتشارد باكستون: عندما تكون شابا، يكون من الرائع بالنسبة إليك أن تنهار الأسواق لأنك تستطيع شراء أشياء كثيرة بسعر أرخص.
ميرين: يُثير اهتمامي أن الشباب يحتفظون بنقود أكثر من الكبار. مع ظهور منتجات الحصول على معاش تقاعدي في الوقت الذي تظل فيه أموالك قيد الاستثمار، قد تعتقد أن كبار السن سيكونون أكثر عُرضة لتخزين النقود ويخشون من وقوع انهيار واسع يتربص بهم.
مويرا: من البيانات المتوافرة لدينا، من الأرجح أن يكون الذين تتجاوز أعمارهم 65 عاما يبحثون عن أسهم الدخل.
من الأرجح أن يحتفظوا بأسهم مباشرة، خاصة أسهم الشركات المدرجة على مؤشر فاينانشيال تايمز 100، وتراهم يسعون أكثر وراء الصفقات الرخيصة ويشترون كل شيء أثناء انخفاض السوق.
على عكس المستثمرين الشباب، فهم لا يكترثون بصناديق تعقب المؤشرات. المستثمرون الشباب هم أكثر عالمية في توقعاتهم، مقارنة بالمستثمرين الكبار في السن، وهم أكثر ارتياحا من حيث شراء الأسهم في البورصات الأخرى، خاصة التكنولوجيا.
ميرين: المستثمرون من كبار السن هم أكثر تفاعلا مع فكرة الاستثمار في الشركات الفردية، لكن الشباب دائما تقريبا ما يستثمرون في الصناديق. هذا كان التحوّل الهائل في استثمار الأفراد على مدار الأعوام الـ 40 الماضية.
إذن، هل سيحصل المستثمرون على فرصة أخرى للشراء أثناء انخفاض السوق، ومن ثم ننتهي من الدورة؟
مايكل: أعتقد أننا سنحصل على فرصة أخرى. قد يكون المُحفّز هو ما إذا كان الاقتصاد الأمريكي أقوى من التوقعات أم لا.
على أن التوقع الآن هو أنه سيبدأ في التباطؤ العام المقبل، لكن سنظل نرى نمو الأرباح، لكن ليس بمثل هذا المعدل المرتفع. هذه فترة متأخرة في الدورة، ومن الطبيعي أن يشعر المستثمرون بالقلق.
كريس: يُمكنك الجدال أن ما نراه ليس نهاية الدورة، لكنه تباطؤ يصيب ذلك الجزء من النمو السريع فعلا من الدورة.
لقد كانت هناك سلسلة كاملة من خيبات أمل اقتصادية لمرة واحدة هذا العام من المشكلات المتعلقة بالطقس، إلى تلك المتعلقة بالشؤون التنظيمية، ولا سيما في صناعة السيارات.
هذا قد يدعم الحجة لمصلحة الانتعاش. على أن هناك شعورا رهيبا باللبس في كل مكان. إذا وضعنا قضية "بريكست" جانبا، يشعر الناس بالقلق بشأن ما ستفعله العلاقة الصينية الأمريكية المتغيرة في العالم، وما إذا كانت ستتحول إلى حرب تجارية شاملة. كتنبؤ أساسي، ينبغي أن نتوقع أن يكون عام 2019 أسوأ قليلا من عام 2018، لكن ليس بذلك النوع الرهيب من السوء.
هل من الممكن أن يحدث طلاق "بريكست" بدون التوصل إلى اتفاق؟ إن حدث ذلك، فمما لا شك فيه أن سيكون أمرا سيئا بقدر "أسوأ سيناريو" يمكن أن يتهيأ له بنك إنجلترا "المركزي".
كريس: لا، لكن ما يُمكن أن نتوقعه هو حدوث نوع من الركود في المملكة المتحدة، وليس بالضرورة أن يكون عميقا جدا. قد يعتمد العُمق كليا على ما لا يُمكن أن يتوقعه أحد، ماذا ستفعل الأُسر والشركات في المملكة المتحدة.
إذا خفض المستهلكون إنفاقهم، فسيُصبح الأمر سيئا جدا. ما يجعل الركود يحدث في كل مرة هو نسبة مُدخرات الأُسر. أما إذا ارتفع إنفاق المستهلكين بسرعة، كما حدث في عام 2008 وعام 1992، عندها سنعاني من ركود سيئ، لكن هذا ليس ضمن أي من التوقعات.
كانت توقعات بنك إنجلترا غير واقعية لأنها كانت قائمة على العرض، وليس على الطلب. لا يوجد أي مختص اقتصاد على الإطلاق يرغب في التنبؤ بالطلب خلال العام المقبل، لأنك لا تستطيع ذلك، لسبب بسيط هو أن ذلك التصور يتعلق هنا بالجانب النفسي.
ميرين: إذا كان هناك "بريكست" بدون التوصل إلى اتفاق، فمن المستحيل أن يعمل مارك كارني مُحافظ بنك إنجلترا على رفع أسعار الفائدة في العام المقبل. من الأرجح له أن يختار خفضها، وهناك كثير من المجال لتنفيذ مزيد من برنامج التسهيل الكمي مرة أخرى.
ريتشارد: أعتقد أننا نتفق جميعا على أن أسوأ سيناريو هو تداعيات عدم التوصل إلى اتفاق، وبالتالي ليس من المستبعد أن يضع البرلمان بشكل جماعي مشروع قانون للتراجع عن المادة 50.
ميرين: أعتقد أنك يجب أن تكون عضو برلمان شجاعا جدا للتصويت على ذلك.
هل يُمكن لعام 2019 أن ينتهي بنا إلى جلب إما استفتاء ثان أو انتخابات عامة في المملكة المتحدة؟
كريس: كل واحد من هذين الأمرين يبدو أكثر احتمالا الآن مما كان عليه قبل شهر.
ريتشارد: أعتقد أننا نستطيع القول بأمان إنه سيكون هناك رئيس وزراء جديد في مرحلة ما من العام المقبل.
ميرين: أعتقد أن إجراء استفتاء ثان يبقى غير مرجح نسبيا لسبب واحد بسيط جدا: ماذا سيكون السؤال؟ سيتطلب الأمر من اللجنة الانتخابية عقدا من الزمن لمعرفة ذلك.
أعتقد أن حدوث "بريكست" بدون التوصل إلى اتفاق هو أمر غير مرجح إلى حد كبير، ففي النهاية، لا بد من أن يتم التوصل إلى تسوية ما، بشكل أو بآخر.
كريس: بغض النظر عن "بريكست"، لا نزال نواجه مشكلة في الإنتاجية. المملكة المتحدة في حالة توظيف كامل مع معدل استثمار منخفض جدا من قبل الشركات، وهذا سيستغرق بعض الوقت ليعود الوضع إلى حاله الطبيعية.
أنا لا أصدق نظرية التعزيز في مرحلة ما بعد "بريكست"، في ظل هذا الطلب الضعيف بشدة على الاستثمار. لا توجد إمدادات من العمالة ولن يكون هناك كثير من نمو الإنتاجية.
هذا العام سيكون ضعيفا جدا؛ وقد يكون العام المقبل أفضل بشكل هامشي، لكننا لا نزال أقل بكثير من معدلات النمو الاقتصادي من النوع الذي اعتادت عليه المملكة المتحدة في الثمانينيات، والتسعينيات وأوائل العقد الأول من الألفية.
هذا ما قد يجعل الشركات تفكر مرتين بشأن الاستثمار، لأن الفرصة لنمو ضخم في المبيعات ليست موجودة الآن، وليس هناك ما يعزز أن تلوح في الأفق قريبا.
.....
http://www.aleqt.com/2018/12/29/article_1514756.html