ما الفرق بين الدين وعجز الميزانية؟

مع ميزانية كل عام جديد التي يتم الكشف عنها من قبل الحكومة، يجد المواطن نفسه محاصراً لعدة أيام قبل وبعد ذلك الإعلان بسيل من المناقشات التلفزيونية والتغطيات الصحفية ومقالات الرأي التي تناقش الميزانية أو بعض بنودها كما لو كانت نهائيات كأس العالم لكرة القدم.

ودائماً ما تظهر خلال المناقشات الدائرة بين الخبراء حول الميزانية مصطلحات اقتصادية هامة قد لا يفهم الكثير من العامة دلالتها أو معناها على الرغم من أنها قد تكون مألوفة سماعياً بالنسبة لهم. هم يعرفون أنها مهمة ولكن لا يدركون السبب.



ما سنحاول القيام به في هذا التقرير هو أننا سنساعدك بقدر الإمكان على فهم كيفية تمويل الحكومة لنفقاتها وكيف تتمكن من سد عجز الميزانية، وطبيعة علاقة العجز بالديون والفرق بينهما.



ما تأخذه باليمين تدفعه باليسار



إدارة وتشغيل الدول الكبيرة مكلفة وتتطلب أموالاً كثيرة. على سبيل المثال في ميزانية عام 2018، توقعت الحكومة الماليزية وصول نفقاتها إلى نحو 280 مليار رينجيت. ولكن في نفس الوقت قدرت الحكومة إيراداتها المتوقعة بحوالي 240 مليار رينجيت فقط. أي أن قيمة بند النفقات تفوق قيمة الإيرادات بنحو 40 مليار رينجيت. وهذه المليارات ال40 هي الرصيد السالب للميزانية العامة للدولة وهو ما يطلق عليه عجز الميزانية.



هناك ثلاثة أنواع للعجز. الأول هو عجز الإيرادات، وهو يشير إلى الفرق بين إيرادات الحكومة وبين قيمة ما تنفقه لخلق تلك الإيرادات. وهذا النوع من العجز غالباً ما يشير إلى ضعف كفاءة الإدارة الحكومية، لأنه يبين أن الحكومة ستضطر لاقتراض الأموال من أجل تمويل أنشطة إدارية لن ينتج عنها خلق أي أصل.



هذا يشبه إلى حد كبير، اضطرار الأسرة إلى الاقتراض من أجل دفع أجر الخادمة والسائق والبستاني. لكن إذا اقترضت تلك الأسرة من أجل الاستثمار في التعليم العالي لأطفالها فإن تلك العملية سينتج عنها أصل في شكل رأس مال بشري.



النوع الثاني من العجز هو العجز المالي، والذي يشير إلى الفرق بين نفقات الحكومة وبين إجمالي الإيرادات باستثناء الديون. باختصار، هذا العجز يشير إلى أن الحكومة استنفذت جميع الخيارات الممكنة لتمويل نفقاتها، ولم يبق أمامها سوى الاقتراض. ولكن استمرار هذا العجز في الحدوث والارتفاع عاماً بعد عام يؤدي إلى تراكم الدين الحكومي، وهذه مشكلة كبيرة تقود أحياناً بعض الدول إلى الإفلاس.

هناك نوع آخر من العجز وهو العجز الأولي. وهو عبارة عن العجز المالي ويطرح منه مدفوعات الفائدة على الديون. وكثيراً ما يخلط الناس بين العجز أو الفائض المالي وبين العجز أو الفائض الأولي.



الحكومة المصرية على سبيل المثال، كشفت في يوليو/تموز الماضي عن أنها تمكنت من تسجيل فائض أولي قدره 4 مليارات جنيه في ميزانية السنة المالية 2017 - 2018 المنتهية في يونيو/حزيران الماضي، وذلك للمرة الأولى منذ 15 عاماً. للوهلة الأولى يبدو الأمر وكأن الحكومة تمكنت أخيراً من علاج مشكلة العجز.



ولكن هل هذا صحيح؟ ما المقصود بالفائض الأولي؟



منعاً للارتباك سنضرب المثال التالي لتوضيح الصورة. موظف دخله الشهري يقدر بحوالي 5 آلاف ريال، قام بحساب نفقاته المتوقعة خلال الشهر المقبل والتي تشمل الطعام والشراب والإيجار وفواتير المياه والكهرباء ومصروفات مدارس أولاده ليجد أنه سيصل إلى نهاية ذلك الشهر ومعه ألف ريال. هذا المبلغ المتبقي الألف يسمى الفائض الأولي.



لكن هذا الموظف كان قد ورط نفسه قبل سنوات في ديون على بطاقته الائتمانية. لذلك بالإضافة إلى نفقاته الأساسية فهو اليوم مضطر لسداد 2000 ريال شهرياً كمدفوعات عن تلك الديون. هذا الموظف لديه فائض أولي قدره ألف ريال ولكنه في نفس الوقت لديه عجز كلي أو مالي قدره ألف ريال.



لكن قبل أن ننتقل إلى النقطة التالية يجب أن نشير إلى أن عجز الميزانية لا ينظر إليه دائماً باعتباره مؤشراً على سوء إدارة الموارد المالية للدولة، فالأمر يعتمد بشكل كبير على أوجه الإنفاق التي تسببت في خلق هذا العجز من الأساس.



خيارات الحكومة .. تقترض أم...



لا يوجد أمام الحكومة سوى ثلاثة خيارات لتمويل عجز الميزانية وهي الاقتراض أو زيادة الضرائب أو طباعة الأموال.



تقترض الحكومة من خلال بيع سندات سيادية بشكل مباشر في أسواق رأس المال، ومن ثم تستخدم عائدات تلك المبيعات في تمويل العجز. ولكن إذا قامت بذلك فإنها تتنافس في أسواق رأس المال مع شركات القطاع الخاص التي تسعى أيضاً لبيع سندات لزيادة رأس مالها وتمويل استثماراتها في المصانع والمعدات.



عندما يكون العجز المالي كبيراً، فهذا يعني أن الحكومة ستضطر للاقتراض بمعدلات كبيرة، وبالتالي سيرتفع الطلب على القروض في السوق مما يؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة. وصول أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة يعني ارتفاع تكلفة الاقتراض بالنسبة للشركات الخاصة.



ارتفاع تكلفة الاقتراض سيؤثر بالسلب على المشاريع الاستثمارية التي سيتراجع عددها مع مرور الوقت بعد أن أصبح الكثير منها غير قابل للاستمرار اقتصادياً. وهكذا تحجم الكثير من الشركات عن الاقتراض ولا تستثمر في مشاريع جديدة، وقد تخرج حتى من مشاريع قائمة لأن القروض أو رأس المال أصبح أكثر تكلفة.



ومن الطبيعي أن يؤثر انحسار حجم النشاط الاستثماري بالسلب على عدد العمالة ومستويات الدخل.



هذا الوضع يطلق عليه في علم الاقتصاد "المزاحمة" (Crowding out)، وهو قيام الحكومة بمزاحمة القطاع الخاص لدى البنوك من أجل الحصول على القروض في مقابل إصدار أذون الخزانة ذات فائدة مرتفعة، وهو الخيار الذي تفضله البنوك تجنباً لمخاطر إقراض القطاع الخاص. والنتيجة هي إحلال نشاط اقتصادي حكومي محل نشاط اقتصادي خاص واستحواذ الحكومة على أغلب المدخرات المتاحة التى كان بالإمكان توجيهها نحو الاستثمار أو بناء المنازل أو زيادة الاستهلاك.


الحكومة قد تضطر أيضاً للاقتراض من مصادر أجنبية. وبما أن أسعار الفائدة أصبحت مرتفعة فإن الشركات والمؤسسات الأجنبية ستكون أكثر من حريصة على توفير التمويل المطلوب والاستفادة من فرص الربح الكبيرة. ومع بدء تدفق الأموال الأجنبية إلى البلاد، يتعين على الشركات والمؤسسات الأجنبية أن تبادل عملتها بالعملة المحلية.


هذا يعني أن الطلب على العملة المحلية سيرتفع ويرتفع معه سعرها، وهو ما سيؤثر سلباً على صادرات البلاد وقدرتها التنافسية. تنخفض الصادرات وترتفع الواردات وهو ما يؤدي إلى ارتفاع العجز التجاري. هذا يعني أن العجز المالي المرتفع من الممكن أن يؤدي إلى عجز تجاري كبير، وحينها نقول إن الدولة تعاني من عجز مزدوج.


بطبيعة الحال، يجب أن ندرك أن تراكم العجز المالي بالميزانية لسنوات يؤدي إلى تضخم الدين المحلي والأجنبي. وهذا بالضبط ما حدث في اليونان التي تجازوت ديونها 142% من ناتجها المحلي الإجمالي في عام 2010 ، قبل أن تتعثر في سداد وخدمة تلك الديون وهو ما أدى إلى عواقب وخيمة على اقتصادها.



الخيار الثاني أمام الحكومة هو زيادة الضرائب على المواطنين والشركات. هذا ربما هو الخيار الأصعب بالنسبة لكافة الحكومات حول العالم لاعتبارات سياسية ومجتمعية، ولهذا تلجأ الحكومات في أكثر الأحيان إلى الاعتماد بشكل أكبر على الخيار السابق وهو الاقتراض.



ولكن بعيداً عن تلك النقطة، يوجد هناك سؤال هام يطرح نفسه، وهو على أي أساس أو وفق أي طريقة ستقوم الحكومة بجمع الضرائب من المجتمع؟ للأسف، لا يوجد هناك مبدأ فلسفي واحد يمكن للحكومات الاعتماد عليه.



فهناك مثلاً مبدأ المنفعة والذي ينص على أنه يجب فرض الضرائب على الأفراد والشركات بما يتناسب مع حجم المزايا التي يحصلون عليها من الحكومة. على سبيل المثال، إذا كان "أحمد" يستخدم الطريق السريع بمعدل أكثر بأربع مرات من "حسين" فيجب على الأول أن يدفع ضرائب أعلى 4 مرات من تلك التي سيدفعها الثاني.



هناك أيضاً مبدأ القدرة على الدفع، والذي يشير إلى أن الضرائب ينبغي أن تحسب على أساس حجم الدخل والثروة، بمعنى إذا كان "حسن" مثلاً يتمتع بدخل أعلى من "عمر" فيجب على الأول أن يدفع ضرائب أعلى من الثاني. وأخيراً، هناك مبدأ آخر يسمى مبدأ الكفاءة الاقتصادية، وينص على أن الضرائب يجب أن يكون لها تأثير ضئيل على قرارات الاستهلاك والإنتاج في السوق الحرة.



أخيراً، من بين الخيارات الممكنة لتمويل عجز الميزانية خيار طباعة النقود. ولكن كيف تحدث تلك العملية؟ ما يحدث هو أن وزارة المالية تقوم بإصدار سندات جديدة، تماماً كما هو الحال في خيار الاقتراض.

ولكن قبل أن تصل هذه السندات إلى أسواق رأس المال الخاصة يسارع البنك المركزي إلى شراء تلك السندات. ولكن من أين أتى البنك بهذه الأموال؟ ببساطة قام بطباعتها. هذه الاستراتيجية يطلق عليها اسم " Central Bank Accommodation" أو تسهيل مصرفي مركزي.

على عكس ما يحدث في خيار الاقتراض المباشر، لا تؤثر هذه الاستراتيجية فوراً على أسعار الفائدة وذلك لأن تلك السندات لم تصل أبداً إلى أسواق رأس المال، وهكذا تظل أسعار الفائدة كما هي في المدى القصير على الأقل.



لكن في الوقت نفسه تتسبب الأموال المطبوعة في ارتفاع حجم المعروض النقدي، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع التضخم. وبمرور الوقت ترتفع أسعار الفائدة. أي أن خيار طباعة النقود لا يخلو هو الآخر من مخاطر من شأنها أن تضر بالشركات والمستثمرين.


عبء الديون

من يتابع منا النقاشات والسجالات الدائرة حول عجز الميزانية وحجم الديون المرتبطة به سيلاحظ أن هناك معسكرين رئيسيين كبيرين. المعسكر الأول ينظر إلى العجز والدين الحكومي باعتبارهما تهديداً خطيراً، في حين يرى المعسكر الثاني أن هذين البندين لا خوف منهما ولا يمثلان أي مشكلة.

لكن قبل أن يقرر أي منا الانضمام إلى أي معسكر يجب أن نميز أولاً بين الديون المحلية التي تدين بها الدولة لمواطنيها ومؤسساتها وبين الديون الأجنبية التي يمتلكها الأجانب.

عندما يمتلك المواطنون الجزء الأكبر من ديون بلادهم يظهر أنصار المعسكر الثاني مشيرين إلى أن مثل هذه الديون لا تمثل أي مشكلة لأن البلد في النهاية مدينة لنفسها. في المقابل إذا كان الأجانب يمتلكون الحصة الأكبر من ديون البلد، فإن المعسكر الأول سيشير إلى أن مدفوعات الفائدة تعتبر بمثابة ضريبة على مواطني الدولة من قبل الأجانب.

خدمة الدين أو مدفوعات الفائدة التي تدفعها الحكومة على ديونها الأجنبية تؤثر بمرور الوقت بالسلب على مستويات الاستهلاك والادخار والاستثمار وبالتبعية على النشاط الاقتصادي بشكل عام. أيضاً على الصعيد السياسي، إذا كان هناك بلد أجنبي يمتلك قدراً كبيراً من ديون الدولة، فقد يعرض ذلك السياسات العامة للدولة لضغوط خارجية.

ولكن حتى لو كانت ديون الدولة كلها عبارة عن ديون محلية، يجب على الحكومة أن تسدد مدفوعات الفائدة لحاملي سنداتها. هذا من الممكن أن يؤدي إلى رفع الضرائب، مما يؤثر سلباً على الكفاءة الاقتصادية للدولة.

كما أن دفع الفائدة على الدين المحلي يعيد توزيع الدخل بشكل غير عادل ليصب في مصلحة الأغنياء على حساب الفقراء والطبقة المتوسطة. وهذا يحدث بسبب أن حملة السندات الحكومية كمجموعة هم في الواقع أغنى من دافعي الضرائب كمجموعة.

أما أكثر النقاط الإشكالية حول عجز الميزانية والدين والتي تدور حولها نقاشات وجدالات كثيرة فهي القول بأن الدين القومي الكبير الذي هو في حقيقته عبارة عن عجز مالي متراكم على مدار سنوات يمثل عبئاً ثقيلاً على الأجيال القادمة.
ولكن في الحقيقة كون الدين الحكومي يمثل أو لا يمثل عبئاً على الأجيال القادمة يعتمد على عوامل كثيرة أهمها على الإطلاق هو أوجه ومبررات الإنفاق الحكومي التي استدعت وجود العجز أصلاً. فحال استخدام الحكومة هذه الأموال في بناء أصول إنتاجية ومشاريع استثمارية طويلة العمر فمن الممكن جداً أن لا تشكل تلك الديون عبئاً على الأجيال القادمة.