كبروا وكبرنا منقوووووول

منقول بتصرف
كبروا وكبرنا :
الحياة ومضات تأتي وترحل سريعاً. أجمل لحظات عمري كانت حال دخولي المنزل لأسمع صراخهم: «ماماااا»، يركضون نحوي، يرتمون في حضني، يحتمون بي وأحتمي بهم، تفوح رائحة براءتهم من قاماتهم الصغيرة، يغمرونني بقبلاتهم الرطبة، فأشعر أن الحياة جميلة وأني بخير.
لكن لا شيء يدوم. كبروا وكبرنا وفرغ البيت من حسهم. ذهبوا في دروبهم الخاصة هنا وهناك. فلكل منهم اختياره. منهم من وجد نصفه الثاني، ومنهم من قرر إكمال دراسته العليا، ومنهم من التهى عني بعمله وأصدقائه. رحلوا عن حضني وأخذوا أحضانهم معهم. رحلوا عن غرفهم وأسرتهم وتركوا رائحتهم لتذكرني بهم.
أقلب ألبوم صورهم، وحين ألتفت لمناداتهم يفاجئني غيابهم. أبحث عنهم في الغصة التي أشعر بها كلما طبخت طعاماً يحبونه، في الفقد الذي أشعر به كلما وضعت صحني وحيدا، وأختنق كلما نظرت إلى مطارح جلوسهم حولي، أتذكر صراخهم وخناقاتهم وضحكاتهم وطلباتهم ونقاشاتهم التي كانت تصدع رأسي. أحاول أن أتخيلهم، هذا مكان الكبير ةالدكتورةوذلك مكان الهادئ الصامت ، وهذا مكان مرميدا الحكيمة والشقي ليس له مكان فكل الأمكنة محجوزة له.آخر العنقود،
عندما كانوا صغاراً ، مرة تأخرت علي موعد لي مع خالتي وصديقتها تذمرت منهم قالت الصديقة : «استمتعي بهم الآن، فهم ضيوف، ستفتحين عينيك يوما ولن تجديهم»، وأتى هذا اليوم، وفتحت عيني…
أحياناً، أتمنى لو كنت استبدلت دوري مع دور أبيهم، وجعلته هو «اللا» وأنا «النعم»، فتركت له شأن منعهم ونهرهم وعقابهم، وتكفلت أنا بالدلع والدلال. لكانوا أحبوني أكثر، ولكن كان عليّ ليس فقط حبهم والاعتناء بهم، بل تربيتهم أيضاً، وهكذا قبلت بدور الشرطي السيئ في العائلة على أن يبقى هو الشرطي الجيد، ليكبروا ويقال لهم أجمل عبارة تقال في حقي «أمك ربتك جيداً».
أحياناً أقول، ليتني ولدتهم في عصر الهواتف الذكية، لكنت التقطت لهم صوراً أكثر وسجّلت لهم أفلاماً لكل صغيرة وكبيرة قاموا بفعلها، ولكان عندي الآن كنز من الذكريات المصورة، ولكني أعود وأحمد ربي مئة مرة أني لم أنجبهم في عصر التكنولوجيا السارقة، فبدلاً من تصويرهم والمباهاة بهم على الشاشات، عشت معهم ولهم لحظة بلحظة، استمتعت بكل ضحكة وكل عناق وكل خناقة وكل «أحبك – أكرهك ماما». حضرت حفلات مدارسهم، ومبارياتهم، أعياد ميلادهم، رحلاتهم، عطلاتهم، فرحهم وحزنهم من دون كاميرا، وبقلب كبير قادر على ألا ينسى، فصورهم محفوظة في قلبي، أسترجعها لتؤنس وحدتي كلما اشتقت لهم.
لا أحب التنظير وتوجيه المواعظ، ولكن أعيد عليكم عبارة سمعتها دومااستمتعوا بأولادكم فهم ضيوف، أحبوهم وعبّروا عن حبكم لهم ليس بتصويرهم، ولكن باغتنام كل فرصة حضن وقبلة وعناق طويل وترديد كلمة أحبك، فيوماً ما ستفتحون عيونكم ولن تجدوهم.