هل التمكين يلغي الإذن ؟ ... Permission First

السلام عليكم

قد نشاهد او نسمع في الاعلام اللامسئول، وغيره من الوسائل الدعائية التي تحاول تلويث الوعي - انتشار مفهوم "التمكين" بصورة ضبابية بين الناس في داخل المجتمع، خاصة في هذه الآونة الحرجة التي يكثر فيها حديث المجالس حول موضوع "التمكين".

فيذكرون مثلا - كما شاهدت في صرافات أحد المصارف -؛ تمكين الطفل، تمكين المرأة، تمكين الرجل، تمكين المجتمع .. الخ

لكن ما هو المقصود بالتمكين ؟
التمكين كما هو معلوم ونفهمه، ليس الا مجرد (السماح واتاحة الخدمة أو المطلب أو الشيء لمستحقيها).

وهذا امر مطلوب. ولكنه ليس - في نظري - مبررا كافيا لالغاء المسئول الإذن على الإطلاق عن المئذون له، الا اذا ترتب على عدم الإذن مفسدة "شرعية" أكبر من الإذن كما ذكر العلماء، كالهجرة بلا محرم.

فمثلا نجد أن؛
أن المواطن بحاجة الى تمكينه من الخدمات الضرورية التي تلبي مصالحه وتهيئ له بيئة استيطان آمنة ومعيشة كريمة.
والمقيم بحاجة الى تمكينه من الخدمات الضرورية التي تلبي احتياجاته الاساسية التي بدونها لا يمكنه الوفود الى البلد او لا يمكنه الاستمرار في الإقامة. (الوافد الكافر له احكام خاصة يعرفها العلماء، ولذلك لا يمكن من إظهار عبادته او إقامة معابده، ولا من دخول مكة والمدينة .. الخ).
والتاجر والمستثمر بحاجة الى تمكينه من الخدمات الضرورية لأعماله.
والعامل بحاجة الى تمكينه من الخدمات الضرورية لمعيشته.
وهكذا.

لكن لو افترضنا ان شخصا نادى بأعلى صوته: يجب تمكين الطفل من حمل السلاح، او من الذهاب الى ثكنة عسكرية لقتال العدو .
أو يجب تمكين الطفل من الذهاب الى البقالة لشراء بعض الحاجيات، او من الذهاب إلى المكتبة لشراء بعض الأدوات.
فهل بالضرورة أن سنسمع له ؟

بالتأكيد لا.
أ- لانه يكون ينادي بتمكين غير مؤهل من عمل لا يليق به لعدم تأهله لذلك العمل، او من تلقي خدمة لا يحسن تقديمها له لعدم جدارته لتلقي تلك الخدمة.
أو بمعنى آخر: لا يستحق الشيء أو المطلب أو الخدمة وغير جدير بها.
كأن ينادي كما سبق بتمكين الطفل من شراء حاجيات المنزل التي هي "من اختصاصات الكبير" ان يوفرها له.
او من شراءه أدوات جامعية "لا تليق له بشرائه لها في هذه الفترة العمرية"، او قد تكون "فائضة عن حاجته" فيشتريها مجرد سفاهة وترف وإضاعة للمال.
وللمضطر أحكام.
فلو حمل طفل السلاح لدفع عدو ولم يكن بجانبه من يحميه، فهذا امر مختلف عن تمكينه من حمل السلاح.
كذلك "غير المستحق وغير المؤهل وغير المكلف" اذا قاد أية نوع من المركبات الارضية او الجوية او البحرية حال الاضطرار!!
ب- أو يكون مستحق للحصول على هذا الشيء أو الخدمة أو المطلب.
لكنه غالبا؛
1. يطلبه في "وقت غير مناسب"، أو "لسبب يضر مصلحته". كأن يطلب شراء أدوات مدرسية ليتحرر من قيود الدراسة والمذاكرة ويضيع الوقت.
وفي هذه الحالة اذا تحققنا من ضرورة حاجته، فإننا نطلب منه تأجيل شراء تلك الطلبات، خشية على مستقبله، لأنه أمانة لدى من يربيه.
2. أو أن يطلب الطفل شراء غرض للمنزل يكون "وليه هو المسئول" عن شراءه وتوفيره له ولأهله. فهنا لا يؤذن له بالخروج من المنزل، حتى وان انطبقت السماء على الأرض، ليس فقط خشية على مستقبله، بل لأن شرائه ليس من اختصاصه. فيسجل له طلبه، ويؤجل، ويوعد بتوفيره له ريثما تتاح الفرصة.

وبالمثل لو نادى بتمكين العامل العادي من إنجاز اعمال هي من مسئولية رب العمل أن ينجزها له. فلا نقبل منه ذلك، ولا نسمح له، ولا نعطيه الآإذن بفعل ذلك.
ولو نادى بتمكين الموظف من قطع عمله والخروج منه - رغم حاجته - لصيانة سيارته او شراء سيارة جديدة وترتب على ذلك مفسدة اكبر من مصلحة الموظف. فلا نقبل منه ولا يؤذن له.

لكن ماذا لو احتج أمامنا العامل أو الموظف أو حتى من بيده سلطة إشرافية او ادارية لدى رب العمل بان النظام يسمح ويتيح بتقديم الخدمة له وتمكينه من الحصول عليها، وفوق هذا أثبت لنا احتياجه الماس للحصول عدى هذه الخدمة، ونحن نعلم انه يترتب على خروجه ذلك إضرار بالعمل ومصلحة المنشأة ومفسدة اكبر من مصلحة ذلك العامل او الموظف الشخصية. هل نسمح له؟

نقول: هذا كان زمان قبل ان نضيف شرط عدم خروج من المنشأة أو تعطيل العمل إلا بإذن في العقد (ولكل قاعدة استثناءات).
أما الآن فقد اختلف الأمر.

فكما أنت تشترط على المنشأة (توفير سكن مثلا، او مكتب مستقل ..الخ)، فللمنشأة حق الاشتراط في العقد، ومن ذلك عدم خروجك الا بإذن رب العمل، والمسلمون على شروطهم. واللي أوله شرط آخره نور.

حسنا ..
ماذا لو لم نشترط على العامل او الموظف في العقد مع وجود هذه القرارات والحملات الدعائية التي تفسد العامل والموظف وتحثه للتمرد على المنشأة ؟

الامر بسيط،
نأتي بورقة ونكتب فيها: لا يحق لك الخروج الا باْذن، واذا حصل خلاف هذا فيعتبر العقد لاغيا (الا اذا كانت مفسدة عدم الخروج اكبر من مفسدة الخروج. وأن تكون المفسدة معتبرة شرعا)، ثم نأتي بشاهدي عدل ويوقعان على الورقة، ثم ترفق مع العقد. وانتهى الامر.

اخيرا
ماذا لو ان رب العمل تساهل في هذا الامر او تخلى عن مسئوليته تجاه هذا الامر وترك الحبل على الغارب. فعلى من تقع المسئولية؟
بلا شك، وقبل كل شيء، يجب أن نفهم أن الأمر أمانة اعتذرت عنها السموات والارض والجبال ويسئل عنها الانسان (رب العمل أو الراعي) يوم القيامة، هل أدى أم ضيع.
فلا يكفي التعذر ان النظام سمح للعامل او الموظف، فيتعذر عن تحمل المسئولية ويفرط ويعرض المنشأة للخطر بحجة النظام. بل يعتبر مسئول شرعا أمام الله مسئولية تامة عن هذا الامر. فيداك أوكتا وفوك نفخ.

وبالمثال يتضح المقال، والمعنى في بطن الشاعر، والسلام.