"الاقتصاد الموازي".. أزمة تؤرق الحكومات وتفيد الفقراء

×



كثيرًا ما يثير "الاقتصاد الموازي" وذلك "غير القانوني" انزعاج الحكومات لأكثر من عامل لعل أهمها عدم سيطرة الأخيرة على هذا النوع من الاقتصاد، فضلًا عما يجلبه من صعوبات في جهود التنمية لبقاء جزء من الاقتصاد خارج الدورة الاقتصادية التقليدية.



و"الاقتصاد الموازي" هو ذلك الذي يقوم على أنشطة لا تعترف بها الحكومة –وأحيانًا لا تعرف بها- وقد تكون تلك الأنشطة مشروعة قانونًا مثل تجارة التجزئة في متجر بلا رخصة أو مثل البائعين الجائلين، أو قد تكون غير ذلك مثل تجارة المخدرات والأسلحة وغيرها.







لماذا ينمو الاقتصاد الموازي؟



ويقول تقرير للبنك الدولي إن الدول التي تعاني من غياب الاستقرار الأمني والسياسي غالبًا ما ينمو فيها حجم الاقتصاد الموازي على حساب نظيره الرسمي، في ظل ضعف التواجد الحكومي بشكل عام، وينمو في البلدان الأكثر فقرًا أيضًا.



ولعل هذا ما يجعل دولًا مثل ماينمار وأفغانستان والهند في صدارة تلك الدول التي تعاني من تعاظم حجم الاقتصاد غير الرسمي وفقا لموقع "ذا ديبلومات"، فالهند تعاني من فقر مدقع لدى طبقة كبيرة تتجنب الرسوم والضرائب الحكومية بكل شكل، بينما ترزح أفغانستان وماينمار في صراعات سياسية وأحيانًا عسكرية تقلل من السيطرة الحكومية على النشاط الاقتصادي.



والأزمة التي تبرز لدى الحكومات عند التعامل مع الاقتصاد الموازي أنه لا يمكن تقدير حجمه ولا يمكن الحصول على عائدات ضريبية من ورائه بما يجعل استغلاله في جهود التنمية المخططة أمرًا غير ممكن، لنموه بشكل عشوائي بعيدًا عن السيطرة الحكومية أولًا، ولعدم وجود مردود اقتصادي حكومي له ثانيًا.



وتشير تقديرات دراسة نشرتها صحيفة "وول ستريت جورنال" إلى أن 25-60% من الاقتصاد في أمريكا اللاتينية هو اقتصاد مواز، بينما تصل النسبة في آسيا 13-50%، وفي بعض الدول الأخرى تزيد النسبة قليلًا لا سيما في بعض الدول الأفريقية الأقل في النمو.



واللافت أنه في بعض الحالات وصل الاقتصاد الموازي، أو اقتصاد الظل، إلى 80% من الاقتصاد كما تقدر الصحيفة، خاصة في دول أوروبا الشرقية قبل وبعد انهيار الشيوعية مباشرة في أوائل تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت غالبية المعاملات الاقتصادية تتم بعيدًا عن سيطرة الدولة على الاقتصاد.







ويلاحظ هنا أن الدول التي تشهد نموًا لافتًا في الاقتصاد الموازي في الآونة الأخيرة هي اليونان والبرتغال وإيطاليا وإسبانيا، وذلك وفقًا ل"فوربس"، والعامل المشترك بين تلك الدول (بجانب الإطار الجغرافي في جنوب أوروبا) أنها تمر جميعًا بأزمات اقتصادية عنيفة وأن بعضها أشرف على الإفلاس إبان أزمة الديون السيادية، كما أن الظروف السياسية ليست مستقرة تمامًا بما يعطي ظروفًا مثالية لنمو الاقتصاد الموازي.







وعلى الرغم من الرفض الحكومي في مختلف دول العالم لنمو الاقتصاد الموازي لأنه لا يعود على ذلك الرسمي بأي عائدات، غير أنه لا يجب إغفال الجانب الإيجابي (الإنساني) له في الكثير من الحالات.



فالسلعة التي تخضع لضرائب ورسوم ويتم عرضها في المحال سيتم تحميلها بكل تلك التكاليف التي يدفعها المستهلك، أما تلك التي يحصل عليها من بائع جائل لا يدفع الضرائب أو الرسوم فإن المستهلك سيحصل عليها بأسعار أقل كثيرًا مما يفيد المستهلك بحصوله على سلع أقل سعرًا، وتشير دراسة لكلية هارفارد لإدارة الأعمال إلى أن الاقتصاد الموازي كثيرًا ما يبقي الطبقات الأفقر "على قيد الحياة".



وكما تشير شبكة "إنفيستبيديا" إلى أن الاقتصاد الموازي يعمل على خلق طلب إضافي من خلال وجود سلع بأسعار مقبولة لطبقات أوسع من المجتمع، وبالتالي يعمل على "إنعاش" الاقتصاد، وإن لم تستفد الحكومة من ذلك إلا أن أثره يبقى إيجابيًا.



ويجب التفرقة هنا بين الاقتصاد "غير الرسمي" والقائم على معاملات لا تخضع للضرائب والرسوم الحكومية، وبين ذلك "غير القانوني" والذي يتم تداول سلع غير قانونية فيه، فكلاهما ينمو بعيدًا عن سيطرة الحكومات، غير أن نمو التجارة غير المشروعة بأنواعها أخطر كثيرًا من التجارة "غير المراقبة" بالطبع.



اقتصاد "غير قانوني"



وتشير شبكة "دويتشه فيله" إلى أن الاقتصاد الأفغاني على سبيل المثال يعاني من كبر حجم الاقتصاد الموازي، وتحديدًا "غير القانوني" الذي يجعل البلاد تتأخر كثيرًا في جهود التنمية خاصة في ظل عقبات أمنية تعترض التطور الاقتصادي للبلاد، حيث تشير دراسة لصندوق النقد الدولي إلى أنه يصعب تقدير حجم الاقتصاد الموازي في أفغانستان بسبب ظروف الصراع غير أنه بات مؤكدا كون الاقتصاد غير القانوني يفوق حجمًا نظيره القانوني.







وبسبب اعتماد الأطراف المتحاربة في أفغانستان على تجارة المخدرات فإنها تزدهر بشكل استثنائي، ربما يتشابه بعض الشيء مع دعم بعض الميليشيات المسلحة لإنتاج المخدرات أيضًا في كولومبيا، لتصل الدول التي تعاني من نمو في التجارة غير المشروعة لعدد من الأزمات الاقتصادية:



- أموال بلا سيطرة: حيث تدخل الأموال "الملوثة" إلى الاقتصاد الطبيعي بغرض غسل الأموال ولتتمتع بالمشروعية بعد ذلك، بما يخلق تدفقات مالية مفاجئة في الأسواق يكون لها آثار سلبية من حيث رفع أسعار بعض الشركات وتحقيق ارتفاع زائف للبورصة.



- دولة داخل الدولة: في كثير من الأحيان تنمو التجارة غير المشروعة لتصبح بمثابة مهدد حقيقي لوجود الدول، كما هو الحال لتجارة المخدرات في أفغانستان وكولومبيا والاتجار بالبشر في بعض دول شرق أوروبا وأفريقيا حيث تتمتع تلك "الإمبراطوريات الإجرامية" بقوة مالية كبيرة تعينها على تحدي الحكومات.



- اقتصاد متناقض: ففي الوقت الذي يزدهر فيه الاقتصاد غير القانوني ويكتسب العاملون فيه مبالغ طائلة، يعاني الاقتصاد الرسمي من ضعف المداخيل، بما يزيد من جاذبية الأول على حساب الثاني ويسمح بنموه وازدهاره واستمراره.



ويشير صندوق النقد الدولي في دراسته إلى أن حل مسألة نمو الاقتصاد غير القانوني أو ذلك الموازي لا تتم باستخدام الأدوات الاقتصادية فقط أو حتى الأمنية أو السياسية، بل من خلال رسم خطة شاملة لرفع مستوى الطبقات الأشد فقرًا بما يسمح بدمجها لاحقًا في الاقتصاد الرسمي دون أن تعاني من أسعار لا تقدر عليها.