هل الاحلام راس مال المفلس

هل الأحلام رأس مال المفلس !

" ناصر السعيد "
وقصة ثرائه الطريفة
وإكماله تعليمه ؛ يقول :

عشت أواخر السبعين هجرية حياة هي ولله الحمد
للبؤس والحرمان أقرب ؛
اشتغلت تلكم الفترة سائقاً لطلبة جامعة الملك سعود
وكنت أعول أولادي وزوجتي ، وكنت طموحاً لأن أكمل دراستي ، ولذا صرت أدرس في المساء ، وأعمل في الصباح .

تنفّست بي الأيام قليلاً لأُفجع بوفاة زوجتي الوفية فصرت أباً وأماً لهؤلاء الأطفال ( الأيتام ) !

بعدها بأسابيع لم أفطن إلا بجارٍ لي من أهل الشماسية ( إحدى مدن القصيم ) يطرق بابي ، ويطلب مني ان يأخذ أولادي ليقوم وزوجته بالعناية بهم ...
إلى أن يفرج الله لي بالزواج أو الرزق !

كان هؤلاء القوم من خيرة الناس مروءة ورحمة وكرماً .

رضخت للأمر الواقع ، على استحياء من كرم هؤلاء النبلاء ،
ثم انصرفت لعملي ودراستي ، سائقاً في الصباح ، وطالب علم في الليل .

ليلة غريبة ، استيقظت فيها من منامي فزعاً بسبب رؤيا قد رأيتها ؛ إذ رأيت نفسي وسط بيّارة صرف صحي مليئة بالأوساخ – أجلكم الله – غارقاً فيها كأشد ما يكون الغرق ، كلما هممت الخروج منها ، أُعدتُ فيها !
استيقظت ومعدتي تتقلب اشمئزازاً مما رأيت ، وغايتي هي الاستفراغ من أقصى الجوف !

ذهبت إلى عملي ونفسي جدّ منقبضة ، لكنها الحاجة التي لا يقرّ لك بالراحة !

كما هي عادتي قبيل الظهر ، كنت أجلس مع زملاء المهنة من سائقي الجامعة ، نتسلى بلعب " أم تسع " لحين خروج الطلاب ( أم تسع : لعبة شعبية قديمة شبيهة بالشطرنج ، تلعب بالأحجار الصغيرة على الأرض ، بعد رسم دوائر معينة فوقها ) .

لم يرعني وأنا على هذه الحال إلا صوت فرّاش مدير الجامعة ينادي باسمي في حِلَقِ السائقين ، ويطلب مني - بعد التعرف عليّ - الحضور فوراً إلى مكتبه ، وأن المدير بنفسه ينتظرني !

تعجبت من هذا الأمر ؛ إذ لا علاقة لي مباشرة بمدير الجامعة ، وهناك – أيضاً - فوارق مهنية وعلمية كبيرة تجعل مثله لا يدري أنّ في الوجود مثلي !

على أية حال ، مضيت مع هذا الرجل إلى مكتب مدير الجامعة ، لأفاجأ بمفاجأة أعظم وأكبر ..
نعم يوجد في المكتب : رجل أسود بلباس مدني ، وبجواره ضابط تتلألأ فوق أكتافه نجوم ذهبية !

سألني مدير الجامعة : أنت فلان ؟ فقلت : نعم ! فالتفت للضيوف المحنكين ثم قال : هو ذا !!

أشار لي الرجل الأسود الضخم بيده نحو الباب ثم قال لي : تفضل معنا !!

ذهلت تماماً ، وأيقنت بأن الأمر هو فوق ما سأتوقعه أو أتصوره ، وتذكرت فورًا حلم البارحة الكريه ، ثم بدأتُ بعدها أستذكر كل خطأ قد فعلته في حياتي الماضية يجعل من مثل هؤلاء يأتون في طلبي !

خرجت معهما ، ثم ركبنا سيارة حكومية ، وفيها قد كان الرجلان صامتين صمتاً مطبقاً لم أشأ معه أن أسألهما ، ولم يتلطفا هما بإخباري عن شيء .

مضت بنا السيارة في شوارع الرياض التي أعرفها جيداً ، وظننت أن نهاية هذا المشوار هو مبنى للمباحث ، أو مركزاً للشرطة ، ولكن توقعاتي قد خابت كلها ، لأجد نفسي داخل قصر الحكم ( إمارة الرياض ) !

بدأت ملامح الأمر الجلل تتضح شيئاً قليلاً ، إذ إن هيئة الرجلين اللذين اقتاداني من عملي توحي بأمر مهيب لا أتخيل وقوعه ، !

مضينا جميعاً في دهاليز قصر الحكم ، وحالي حينئذ كما لو قد كنتُ أُساق إلى الموت : مذهولاً ، مستسلماً ، لا أقوى على الاستنتاج ، ولا أستطيع التفكير !

وصلنا إلى مختصر كبير يشي بأنه مدخل لصاحب منصب رفيع ، فتوقفنا فيه قليلاً ؛ ثم أُذن لنا بالدخول ، فإذا نحن أمام " سلمان بن عبدالعزيز" أمير الرياض !

وقف الضابط عن يساري ، والرجل الضخم الأسود عن يميني ، فيما كان الأمير منكباً على معاملات الدولة ، يقرأها ، ثم يشرح بقلمه عليها !

لا تسلني هذه اللحظة عن شيء ، فقد توقفت حركة الكون ، وجمدت الأشياء ، وصار على بصري غشاوة ، وأما عن ريقي فإنه كما صحراء لم تعرف قطر السماء يوماً من الأيام !

رفع الأمير رأسه بعد دقائق ، ثم سألهم قائلاً : أتيتم به ؟! فأجابوه بسرعة : نعم طال عمرك ، هو ذا !!

عاد الأمير مرةً أخرى إلى المعاملات يقرأها ، يشرح عليها ، في انهماك شديد أنساه وجودي ، إلى أن رفع رأسه بعد دقائق طويلة : أين ابن سعيد ؟ فقال الرجل الأسود : هو ذا طال عمرك !

كرةً أخرى ينهمك الأمير في معاملات الدولة ، لينساني محترقاً في لهب الانتظار والأفكار ، إلى أن وضع القلم أخيراً ، ثم رفع رأسه ، وأسند ظهره إلى كرسيه ؛ فقال : " ما فيه شيء يا ولدي إلا سلامتك ،

ولكن أتتنا برقية من سفارتنا في الكويت ، تفيد بأن عمتك الثرية قد توفيت ، وأنها قد خلّفت وراءها ملايين الروبيات ( عملة الكويت سابقاً ) والعديد من المنازل والأراضي ،
ولخوفنا من دخولها بيت المال الكويتي ، وصعوبة المعاملة بعد ذلك ، فإنّ إمارة الرياض قد ارتأت أن تسلمها لك بنفسك ،
لتنهي إجراءات الإرث قبل أن يدخل بيت المال الكويتي ، كما وأننا عمّدنا سفارتنا هناك لمساعدتك فيما تحتاج" !!

لم أستطع أن أقول شيئاً أو أن أتفوه بجملة ؛ ومن أين لي بقوة تسعف لساني على الحركة ...

لا شيء سوى أني قد قلت بصوت متحشرج : " يطول عمرك " !

خرجت بمعاملة الإرث من الإمارة ، وتوجهت إلى الكويت ،
لأجد الملايين تنتظرني ، والبيوت ، والأراضي ، فرحمة الله عليك ، ثم رحمة الله عليك ، ثم رحمة الله عليكِ : يا عمتاه ! : )

عدت إلى الرياض ، وكافأت جيراني الأوفياء بمكافأة مجزية ، وأخذت أطفالي منهم ،
ثم تزوجت ، وأكملت دراستي ، إلى أن وصلت إلى هذا المنصب الكبير في وزارة الداخلية ، مع مال طائل عريض لا أشكر عليه سوى ربي الرحيم المنّان ثم عمتي " الغالية " .

قلت له :
صدَق من قال - بعد الرؤيا التي رأيتها في المنام - أن المال وصخ دنيا ! :)

آيدن .

1/5/2016