جنون القطيع وأوهام العامة..عندما لا يستوعب أحد الدرس المكرر على مر التاريخ

يعتبر واحدا من أشهر ما كُتب في تاريخ علوم الاقتصاد والتمويل والاستثمار على الإطلاق. حيث طالب بنك الاستثمار الأمريكي "جولدمان ساكس" محلليه بقراءته، وأوصى بمطالعته "مايكل لويس" مؤلف الكتاب الشهير "ذا بيج شورت"، واعترف رجل المال الأمريكي "برنارد باروخ" بأن الدروس التي تعلمها من هذا الكتاب هي التي أنقذته بعد أن جعلته يذهب عكس الجميع ويقوم ببيع كل حيازاته من الأسهم قبل انهيار عام 1929.



رغم مرور 176 عاماً على نشر الأسكتلندي "تشارلز ماكاي" لتحفته المتمثلة في "الأوهام الشعبية الاستثنائية وجنون الحشود" الذي نشر لأول مرة في عام 1841 إلا أن هذا الكتاب لا يزال يتم إعادة طباعته إلى اليوم، وذلك بسبب كونه واحداً من أول الكتب التي حاولت وصف ظواهر السلوك الجاهيري وسذاجة الحشود.

سيكولوجية المجتمعات

- قد يتساءل البعض، ما الذي يمكن أن نتعلمه من كتاب أُلف قبل 176 عاماً عن أسواق اليوم؟ ففي ذلك الوقت لم تكن أدوات مالية متقدمة مثل قروض الرهن العقاري وعقود الخيارات قد ظهرت بعد، بل إن أسواق الأسهم نفسها لم تكن قد عرفت وظهرت بشكلها الحديث.

- لكن ما ينساه هؤلاء، هو أن الأسواق المالية منذ نشأتها وتتحكم فيها وتحركها نزوات وغرائز البشر، ومن خلال مطالعة تاريخ الأمم، نجد أنها مثل الأفراد لديها أهواؤها ونزواتها الخاصة، وأن المجتمع بالكامل قد تأسره فجأة فكرة معينة ويسعى وراءها بجنون دون تفكير، ببساطة لأن الجميع يفعل ذلك، وغالباً ما يكون ذلك الوهم هو المال.

- الأطروحة الأساسية التي يسوقها "ماكاي" في هذا الكتاب، هي أن البشر غالباً ما يهيمن عليهم الجشع والخوف عندما يتعلق الأمر بالمال، ودائماً ما يستسلم سوادهم الأعظم للأفكار والاعتقادات السائدة حولهم. وفي سعيه للتدليل على ذلك يسوق أكثر من مثال راحت فيه مجتمعات بأكملها ضحية لهذا الجنون.

الأموال السهلة .. وهم كل العصور

- ربما القصة الأكثر شهرة، هي قصة "مخطط الميسيسبي" والتي تتناول حياة الاقتصادي والمصرفي الأسكتلندي "جون لو" التي وقعت في الفترة ما بين عامي 1719 و1720.

- في عام 1716 أسس "لو" بنك "جنرال" الذي منحته الجمهورية الفرنسية سلطة إصدار العملة الورقية غير المدعومة بسلطة الدولة. وأعرب في ذلك الوقت عن اعتقاده بأن زيادة حجم الأموال المتداولة ستفيد التجارة. حققت خطته نجاحاً مذهلاً في البداية، لكنه لم يدم طويلاً حيث انهار البنك في عام 1720، مما أدى إلى سقوط فرنسا في أزمة اقتصادية.



- في الوقت نفسه، أنشأ "لو" شركة "ميسيسبي"، وكانت عبارة عن كيان تجاري استعماري يتداول المعادن الثمينة في لويزيانا، وكان لديه امتيازات تجارية حصرية في الإقليم لمدة 25 عاماً، ولكنه كان في حاجة إلى التمويل لكي يتمكن من بدء النشاط.

- تمكن "لو" من جمع الأموال اللازمة من خلال إصدار أسهم وسندات حكومية منخفضة العائد ساعدت أيضاً في تمويل الشؤون المالية الفرنسية. وارتفعت أسهم "ميسيسبي" إلى عنان السماء، على خلفية الإقبال الشديد عليها من الجموع التي أسرتها فكرة أن الشركة تتداول في الذهب والفضة.

- كان الناس من جميع الطبقات يفترشون الأرض أمام منزل "لو" على أمل أن يوافق على شرائهم لعدد من أسهم "ميسيسبي"، وبسبب تزايد الأعداد أكثر وأكثر، كان يتم إرسال الجنود في الليل لتنظيم تلك الحشود، والحفاظ على النظام.

- بالتأكيد كان الأمر ارتفاعاً غير مستدام وفقاعة انفجرت في نهاية المطاف. أدى إصدار "لو" لكميات ضخمة من الأوراق النقدية عبر بنك "جنرال" إلى ارتفاع حجم المتداول منها، وهو ما تسبب في وصول معدل التضخم الشهري إلى 23%.

- بعد أن بدء أن الناس يستوعبون – ببطء – الوضع، اتجهت أعداد متزايدة منهم إلى بيع أسهمهم في الشركة وتحويلها إلى عملات قوية نسبياً، وفجأة تحول الأمر إلى حالة الذعر لينخفض سعر السهم إلى قيمته الحقيقية بوتيرة أسرع من وتيرة صعوده.

- تسبب هذا الحادث في أن يصبح "لو" الذي افترش الآلاف الأرض أمام منزله قبل فترة قصيرة، الرجل الأكثر كرهاً في فرنسا بين عشية وضحاها. يشير المراقبون إلى أنه على الرغم من أن مخططه كان معيباً إلا أنه كان يعمل من أجل خير فرنسا، ولكن التكهنات غير العقلانية للشعب أدت إلى تضخم السعر وانهيار كل شيء في نهاية المطاف.

أكثر جشعا من أن نتوقف!

- هناك صفات مشتركة بين كل حالات الهوس التي تصيب التجمعات البشرية، وربما أهمها هي فكرة التحول السريع من الفقر إلى الثراء واستطاعة أي شخص كسب المال دون القيام فعلياً بأي عمل شاق أو استثمار حقيقي ملموس.

- هذه الفكرة عندما تستقر في ذهن الناس تؤدي إلى تشوه الاقتصاد، حيث تتضرر الصناعات الإنتاجية بسبب اندفاع رأس المال نحو المضاربة بحثاً عن الثراء السريع أو صفقة العمر. في هولندا في عام 1836 كانت أفضل طريقة لربح المال هي شراء ممتلكات أولئك الذين يلهثون وراء الحصول على الأموال التي ستمكنهم من المضاربة.



- كلما انفجرت فقاعة، تبدأ لعبة اللوم المتبادل بين الأفراد والمؤسسات المالية، وفي نهاية المطاف يتم مهاجمة الحكومات من أولئك الذين خسروا أموالهم، وكما يقول المثل الإنجليزي الشهير "دائماً لا يتم إغلاق باب الإسطبل إلا بعد أن يقطع الحصان أميالاً فاراً".

- متى وأين ستحدث النوبة القادمة من الجنون والهوس الجماعي؟ من يعرف؟ في الحقيقة الشيء اللافت حول هذه الوقائع هو أننا لا نراها بينما ننظر إليها، ولا ندركها إلا بعد أن تصبح كالصخرة التي تندفع من أعلى الجبل في اتجاه رجل مكبل بالحبال عند السفح، لا حول له ولا قوة.

- لكن بسبب أن البشر أكثر جشعا من أن يتوقفوا عن هذا السلوك، لا يوجد شك في حتمية وقوع المزيد من االفقاعات وحالات الهوس الجماعي لقرون قادمة.

- أخيراً، هذا الكتاب الذي استعرضناه بشكل سريع، ربما تكون قراءته إلزامية على المهتمين بسلوك المجتمعات وعلم والنفس الجماهيري، وخصوصا المتعاملين في أسواق الأسهم.