رحلة مع الترف الجامعي

http://www.alriyadh.com/1543058
....
رحلة سريعة نجوب خلالها ثلاثين عاما مضت (1985- 2015) لمعرفة ما سمي ترفا في التعليم الجامعي. ونبدأ على بركة الله عام 1985م بحوالي 100.000 طالب وطالبة 60% ذكورا، والبقية من الإناث، ويسافر الطلبة والطالبات سنويا إلى 7 جامعات في 4 مناطق رئيسية هي الرياض (جامعتان)، ومكة المكرمة (جامعتان)، والمنطقة الشرقية (جامعتان)، والمدينة المنورة (جامعة) تصرف 85% من مقاعدها لغير السعوديين، وفي تلك الفترة كان نصيب تخصصات الطب والهندسة والحاسب الآلي لا يمثل أكثر من 10% من الدارسين في كليات بلغ مجموعها في المراكز الرئيسية والفروع 61 كلية، مضافا إليها 10 كليات تربية وآداب وعلوم تابعة للرئاسة العامة لتعليم البنات ليكون المجموع 71 كلية منها 27 ذات تخصصات علمية تطبيقية أو نظرية.

وفي ذلك الوقت كانت ست مناطق إدارية خالية تماما من أية فرصة للتعليم الجامعي.

الكثير منا يتذكر صعوبة وجود مقعد جامعي، ناهيك عن تخصص علمي مناسب كالطب والهندسة والحاسب الآلي. ولاحقا توجه عدد غير قليل من أبناء المناطق الحدودية وحتى من أبناء المدن ممن لا يستطيعون الدراسة في الدول المتقدمة إلى دول مثل اليمن والسودان، والأردن ومصر والهند وباكستان من أجل دراسة تخصصات نوعية مثل الطب والحاسب الآلي وبأسعار رخيصة.

وبعد مضي ثلاثين عاما من استثمار الدولة في التعليم العالي وصل عدد الجامعات الحكومية إلى 28 جامعة في جميع مناطق المملكة، وبلغ عدد الكليات التابعة لها 475 كلية تضم حوالي 2900 قسم علمي وتدرس 123 تخصصا تستوعب نحو مليون وثلاثمئة ألف طالب وطالبة حوالي 56% منهم من الإناث.

بلغ عدد كليات الطب في الجامعات الحكومية عام 2014م 25 كلية في مقابل 4 كليات سابقا، وكليات طب الأسنان 14 كلية في مقابل كلية واحدة كانت في جامعة الملك سعود بالرياض، و 16 كلية صيدلة في مقابل واحدة فقط، وبلغت كليات الهندسة والحاسب الآلي 52 كلية، والعلوم الطبية التطبيقية 75 كلية، والاقتصاد والإدارة والمالية 43 كلية.

وبالمقارنة مع دول العالم، وباعتبار أن في المملكة حوالي 51 مؤسسة تعليم عال ما بين حكومي مدني وعسكري، وأهلي سوف نجد أن الولايات المتحدة تفتح جامعة لكل 98 ألف مواطن، والنمسا لكل 185 ألفا، وماليزيا لكل 196 ألفا، وفرنسا وألمانيا واليابان وبريطانيا لما معدله 250 ألفا، وإيران وأستراليا والأرجنتين تفتح لما بين 400 و500 ألف مواطن مؤسسة تعليم عال، أما في السعودية فإنه تفتح مؤسسة تعليم عال لكل 620 ألف مواطن. ولذلك فإن المسألة ليس فيها رفاهية مقارنة ببقية الدول.

المدن الجامعية التي انتشرت في مناطق المملكة لا يجب أن ينظر إليها على أنها من عب مكلف، وإنما على أنها مراكز تنمية شاملة ماديا وفكريا، فمناطق مثل جازان أو الجوف أو الحدود الشمالية أو حائل أو تبوك على سبيل المثال لم يكن يقيم في أي منها أكثر من عشرة سعوديين من أعضاء هيئة التدريس هي الآن على موعد مع المئات من أعضاء هيئة التدريس السعوديين الذين تلقوا تعليمهم في الدول الصناعية الغربية أو الشرقية.

ولنا أن نقيس هذه القيمة المضافة على تنمية تلك المناطق كميا ونوعيا، تماما كما حدث مع المدن العسكرية والقواعد الجوية في الثمانينيات من القرن الماضي التي مثلت مراكز تنموية شاملة. ولنا أن نتخيل حجم الإضافة الضخمة للخدمات الصحية حيث ستفتتح الجامعات خلال السنوات القليلة القادمة حوالي 19 مستشفى جامعيا تشكل حزاما طبيا من تبوك إلى جازان، ومن نجران إلى الحدود الشمالية.

صحيح أنه لا يجدر بالجامعات أن تقبل كل خريجي الثانوية، بل وُصف هذا التوجه من قبل التعليم العالي ذاته بأنه "كارثة"، ولكن تبقى كارثة استيعاب معظم خريجي الثانوية أهون بكثير من كارثة ذهاب مئة ألف طالب على الأقل إلى الشارع حيث لا وظيفة ولا دراسة، ولا أمل.

المسؤول عندما يتخذ قرارا فإنه يأخذ في الحسبان عواقبه الاجتماعية والأمنية على الدولة في توقيت اتخاذه، ولا تكون حساباته مادية بحتة وإنما تؤخذ العوامل السياسية والاجتماعية والثقافية في الحسبان، لأنه يتعامل مع مقاصد دولة ضخمة وعميقة وليس شركة استثمارية قائمة على معايير الربح والخسارة الماديتين. والدولة ليست ملزمة باستيعاب معظم خريجي الثانوية في الجامعات، ولكنها مسؤولة عن توفير مقاعد لكل من يرغب في الدراسة الجامعية عندما يكون لديه خيارات أخرى جاذبة في مجالات التعليم التقني والتوظيف مثلا. ويصعب في هذه الأيام أن تسوق الناس سوقا إلى بدائل لا مستقبل لها، ولا أفق يحقق للطالب طموحه المستقبلي، ولكن تعمل الحكومة بالشراكة مع القطاع الخاص في توفير البدائل التي تتنافس على استقطاب خريجي الثانوية وبخاصة المتميزين.

هناك قرارات نراها خاطئة عندما نحكم عليها في غير وقتها، ولكن لو تعرفنا على ظروف اتخاذها سنكتشف أنها جنبت المجتمع مصائب خطيرة. ففتح المجال لمن يرغب من خريجي الثانوية العامة للالتحاق بالجامعة أو البعثة الداخلية والخارجية وفق الضوابط المعتمدة في المدة من عام 2011م إلى 2014م لم يكن ترفا ولا رفاهية ولا عشوائيا، وإنما كان تحصينا لأمن الوطن واستقراره في مواجهة كرة النار التي يدحرجها الربيع العربي من حولنا، وأعتقد أن قرارات تثبيت وظائف البنود والعقود في تلك الفترة قد أخذت بعين الاعتبار تلك المتغيرات.

وليس من اللائق أن يأتي اليوم من يحاكم التدابير اللازمة للمحافظة على أمن الوطن وسط عالم يموج بالأحداث الجسام ودول تتساقط من حوله، وهو يعرف أن المملكة كانت ضمن قائمة الاستهداف.

يمكننا أن نتعامل مع المتغيرات الحالية وما تتطلبه من إجراءات تقشفية واصلاحية دون تخويف المجتمع، ودون تكريس صورتنا السلبية في الخارج.. ومن المؤسف أنه قد أضيف من لسان "رسمي" لقائمة شتمنا في الإعلام العالمي مفردتان هما الكسل والإفلاس، لتصطف إلى جانب الإرهاب والوهابية والسلفية والقاعدة وداعش.

كل الردود: 0
هذا موضوع قديم، وتم إغلاق الردود عليه آلياً.
عرض وسائل التواصل مع الكاتب
تطبيق مستعمل

تصفح بسرعة مع تطبيق مستعمل!