جامعة الامام محمد بقلم كاتب سعودي

http://www.alhayat.com/Opinion/Mohammed-Al-Mzini/15746026/%D8%AC%D8%A7%D9%85%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%85%D8%A7%D9%85---%D9%85%D9%86-%D8%BA%D9%84%D9%88-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%BA%D9%84%D9%88-%D9%85%D8%B6%D8%A7%D8%AF
....
....
عاد الدكتور سليمان أبا الخيل كرة أخرى إلى قواعده سالماً مديراً لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية. قرار عودته جاء صائباً وحكيماً، فكما يقال «أهل مكة أدرى بشعابها»، لذلك فإن منسوبي جامعة الإمام أدرى بمتطرفيهم، لذلك فإن أول ما ابتدر به الدكتور سليمان مهماته التقاؤه بطلاب جامعته لا بصفته مديراً فحسب يتحدث لهم عن المناهج ويستمع لشكاياتهم، بل جاء خطيباً وواعظاً ومحذراً من فوق المنبر من كل الاتجاهات المتطرفة، واصفاً أولئك الذين يغررون بالشباب ويدفعونهم إلى التيارات المنحرفة والاتجاهات الإرهابية بأنهم «دعاة على أبواب جهنم»، وهنا يقع الحافر على الحافر، وأسأل: ألم تكن جامعة الإمام ذات يوم غاصة بأمثال هؤلاء الدعاة؟ هل استطاعت الجامعة بعد كل ما تعرضت له من تجريف من استئصال شأفتهم؟
لن أتحدث عن علمية جامعة الإمام في تخصصاتها الأساسية، فهذه نقطة قوة تحسب لها، وتميزها عن غيرها من الجامعات، وهذا يعود إلى تأسيسها المحكم والمتين باعتمادها في مقرراتها الشرعية واللغوية تحديداً على مصادر العلوم الرصينة، تلك التي اعتمدتها قبل 60 عاماً من خلال كلية العلوم الشرعية التي عرفت فيما بعد بكلية الشريعة، بهدف تخريج علماء شريعة وقضاة تسند إليهم مسؤوليات جسام، ثم لتتوسع إلى تخصصات تتجاوز حدود المسؤولية الشرعية الدينية إلى ما هو أبعد من ذلك.
لم تكن الجامعة آنذاك تتوخى في طلبتها السمات الشخصية التي تؤهلهم لينضموا إلى كوكبة طلاب الجامعة الأخيار، إذ كان يتاح لكل طالب يحمل مؤهلاً علمياً الالتحاق، إلى اليوم الذي أخضعت الجامعة إلى توجهات «إخوانية» غلفت بمصطلح «الصحوة» البراق، لتبدأ رحلة جديدة مسكونة بالشد والجذب، لم يكن هذا يجري على طلبة المعاهد العلمية -وأنا واحد منهم-، فقد باتوا بعيدين عن التمييز إلا في ما يتعلق بالتخصصات التي وضعت في مراتب بحيث يقسم الطلاب بحسب السمات الشخصية، التي لم تكن ذات علاقة مباشرة بالخلفية العلمية التي تشي بها المعدلات التراكمية، وهذا للأسف عانينا منه في الجامعة إبان دراستنا فيها من لدن أساتذة (إخونجية) يقدمون اتجاهاتهم على العلم، وكنا نعذرهم أحياناً لأنهم كانوا ضحايا هذا التوجه، فلو لم يكونوا كذلك، لم يقبلوا لمواصلة دراساتهم العليا.
أذكر أن أحد الذين درسونا في مادة «الثقافة الإسلامية» كان من الجهل بمكان أن يعجز عن مناقشتنا في أسهل الأمور، لذلك كان لا يقبل الجدل أو الاختلاف، كان يملي علينا من مذكرة صغيرة لم يكلف نفسه عناء تصويرها وتوزيعها علينا كي يريح نفسه ويريحنا، أي طالب يختلف معه مصيره إلى الطرد وربما الرسوب كما حدث معي ومع بعض الزملاء، أحدهم –للأسف- تآمر عليه بشكل منظم حتى تمكن من فصله من الجامعة لرسوبه أو «ترسيبه» المتكرر، فقط لأنه يشتغل في (مشروعه الذي كرس له نفسه) على الجماعات الإسلامية، وعلى رأسها (الإخوان المسلمون)، لم يتوقف زميلنا عن مواصلة مشروعه حتى بعد طرده من الجامعة حتى أصبح علماً فكرياً يشار له بالبنان في هذا الاتجاه، فقد أضحى واحداً من أهم كتاب ومثقفي البلد، ولديه أهم المؤلفات التي ترصد الحراك «الإخونجي» وكما يقال: «إذا عرف السبب بطل العجب»، ولو لم أكن صارماً في مواجهة مكشوفة مع بعض أساتذة الجامعة على خلفية معرفتي بلغة القوم لكنت من «صيد البارحة»، مصيري ذاته مصير زميلي.
كنت أتوقع أن ما كان يحدث سابقاً انتهى مع التغيير الجذري لاتجاهات الجامعة، التي وصمت لاحقاً بـ»الجامية»، لتمسي المسألة برمتها تعسفاً ومغالاة لا يمكن أن تنسب إلى الدين بحال من الأحوال، توقعت بعد كل هذا الزمن الذي قطعناه من قنطرة الإخونجية المستبدة بالجامعة وإداراتها وأساتذتها إلى قنطرة تشخصن نفسها أنها ممثلة لاتجاهات «جامية»، كما أننا تخلصنا إلى غير رجعة من لوثة الاستقطابات، وأن الجامعة لم تعد تميز بين طالب وآخر إلا بالعلم والعمل، لنكشف من خلال ممارساتها أنها انتقلت من غلو وتعسف يحمل صفات ذات علاقة بالسمات، إلى غلو يتجاذبه الإفراط والتفريط، مع بقايا لم تستطع الفكاك منها ذات علاقة بالحالة النفسية والوجدانية لأساتذتها المغرقين بتعاليمها وسياساتها التمييزية، فانتقلت إدارة الجامعة - باركها الله - من غلو وتمييز وحيف يقع على الطالب إلى حيف يقع على الأساتذة، فانقلب السحر على الساحر. لذلك، سعى بعض المتسلقين داخل الجامعة إلى تصفية المخالفين لتوجهاتها الجديدة، فالمسألة وفق نهجها الجديد لم تعد منصبةً على الطالب، بل على الأساتذة، بطريقة لا «أخلاقية»، أما الأساتذة «المجتبون الأخيار» فقد ترك لهم الحبل على الغارب، وأنا أتحدث عن الأساتذة بشكل عام رجالاً ونساءً، الطالب بين أيديهم مضغة تتلاعب بها الأهواء، وأشد تلك الأهواء وأنكاها تلك الملتبسة بالدين، فقد يفصل الطالب أو الطالبة على أسباب واهية كالاختلاف واللبس والاحتشام المبالغ فيه، ضاربين بالعملية التعليمية عرض الحائط، باستطاعة الأستاذ أو الأستاذة تنجيح الطلاب أو ترسيبهم، وليس للطالب الحق أدنى حق بالمساءلة أو رفع شكوى تنصفه.
إذن علينا أن ندرك أن مشكلة جامعة الإمام الحقيقية ليست في المناهج والتخصصات، بل في الاتجاهات.
فاليوم، أمام مدير جامعة الإمام الدكتور سليمان أبا الخيل مسؤولية كبيرة، عليه أن يبعدنا عن كل هذه الاتجاهات وينأى بنا عن بؤر الصراعات الداخلية والخارجية، خصوصاً أننا رأيناها تبرم اتفاقات مع شركات عالمية كشركة «بيرسون» من أجل توفير مناهج تعليمية متخصصة، كما رأيناها تفتتح الكليات العلمية المتخصصة وتتجه في مناهجها إلى المدارس الغربية في أبحاثها اللغوية بخاصة.
لم يبق أمام الجامعة ومديرها سوى إعادة صياغة هوية الجامعة كي تصبح حقلاً علمياً ومعرفياً لا غير، وأن ترفع عن كاهلها عبء الصفة التي ورطتها وأرهقتها بالاتجاهات «الإسلاموية»، التي لا تعبر عن الروح الحقيقية للإسلام، بأن تكتفي باسم جامعة الإمام محمد بن سعود، فما المانع؟