يوم عرفة وأحوال السلف فيه

يوم عرفه وما أدراك ما هو؟ يوم عظيم، له من الدين المحل المكين والمنزلة الرفيعة، خصه النبي - صلى الله عليه وسلم - بمزيد العناية، وعظيم الرعاية، لما له من الفضائل والمزايا فمنها:

1- أنه يوم إكمال الدين وإتمام النعمة:

قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3].



قال ابن كثير - رحمه الله - في تفسيره لهذه الآية:

"هذه أكبر نعم الله لأ على هذه الأمة، حيث أكمل تعالى لهم دينهم، فلا يحتاجون إلى دين غيره، ولا إلى نبي غير نبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ولهذا جعل الله خاتم الأنبياء وبعثه إلى الإنس والجن، فلا حلال إلا ما أحله، ولا حرام إلا ما حرمه، ولا دين إلا ما شرعه، وكل شيءٍ أخبر به فهو حق وصدق لا كذب فيه ولا خُلف، كما قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [الأنعام: 115] أي: صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأوامر والنواهي، فلما أكمل الدين لهم تمت النعمة عليهم، ولهذا قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾ [المائدة: 3] أي: فارضوه أنتم لأنفسكم فإنه الدين الذي رضيه الله وأحبه وبعث به أفضل رسله الكرام، وأنزل به أشرف كتبه" ا.ه[1].



هذه الآية نزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع يوم عرفة، ففي الصحيحين[2] من حديث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أن رجلًا من اليهود قال له: يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم تقرؤونها، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدًا، قال: أي آية؟ قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ﴾. فقال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذي نزلت فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو قائم بعرفة يوم جمعة.



2- أنه يوم يكثر فيه العتق من النار ويباهي الله لأ بأهل الموقف الملائكة:

ففي صحيح مسلم من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة فيقول: ما أراد هؤلاء؟"[3].



وروى الإمام أحمد[4] عن عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "إن الله يباهي ملائكته عشية عرفة بأهل عرفة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا".



وروي عن أنس - رضي الله عنه - أنه قال: وقف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "يا بلال، أنصت لي الناس"، فقام بلال فقال: أنصتوا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأنصت الناس فقال: "معشر الناس، أتاني جبريل عليه السلام آنفًا فأقرأني من ربي السلام وقال: إن الله - عز وجل - غفر لأهل عرفات وأهل المشعر وضمن عنهم التبعات"، فقام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فقال: يا رسول الله، لنا خاصة، قال: "هذا لكم ولمن أتى من بعدكم إلى يوم القيامة"، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: كثر خير الله وطاب[5].



3- أن صيامه يكفر سنتين:

في صحيح مسلم[6] من حديث أبي قتادة الأنصاري - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سُئل عن صوم يوم عرفة فقال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده".



4- أن خير الدعاء دعاء يوم عرفة:

ففي سنن الترمذي[7] من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".



من أحوال السلف في يوم عرفة:

أما أحوال السلف - رضي الله تعالى عنهم - في يوم عرفة فهم بحسب مراتبهم، فمنهم من كان يغلب عليه الحياء أو الخوف من الله لأ في ذلك اليوم.



فهذا مُطرف بن عبد الله بن الشخير - رحمه الله - وهو من علماء التابعين ومن عُبادهم، وقف في عرفة مع بكر المُزَني فقال أحدهم: "اللهم لا ترد أهل الموقف من أجلي"، وقال الآخر: "ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله لولا أني فيه".



• ووقف الفضيل بن عياض بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلما كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء وقال: "واسوأتاه منك وإن عفوت" - يقول ذلك لأنه غلب عليه الحياء من الله لأ، ويقول لشعيب بن حرب: "إن كنت تظن أنه شهد الموقف أحدٌ شرٌ مني ومنك فبئسما ظننت".


• ودعا بعض السلف بعرفة فقال: "اللهم إن كنت لم تقبل حجي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركِكَ القبول مني".


• وكان بعض السلف يأخذ بلحيته في يوم عرفة ويقول: "يا رب قد كَبُرت فأعتقني"، وشوهد بعرفة وهو يقول:

سبحان من لو سجدنا بالعيون له
على حِمَى الشوك والمُحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته
ولا العشير، ولا عشرًا من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه
سبحانه من مليكٍ نافذ القدر
سبحان من هو أُنسي إذ خلوتُ به
في جوفِ ليلي وفي الظلماء والسحر



• وجاء عبدالله بن المبارك إلى سفيان الثوري - رحم الله الجميع - عشية عرفة وهو جاثٍ على ركبتيه في عرفة، وعيناه تُسهمِلان من الدموع، فقال ابن المبارك لسفيان الثوري: "من أسوأ هذا الجمع حالًا"، فقال: "الذي يظن أن الله لا يغفر له"