أسعار البترول على المحك»

http://www.aleqt.com/2013/02/03/article_729262.html


د. أمين ساعاتي

بشر الرئيس الأمريكي باراك أوباما الشعب الأمريكي بأن الولايات المتحدة ستصبح في عام 2015 بلداً مصدراً للنفط والغاز وليس بلداً مستورداً لهما، ولذلك فإن الولايات المتحدة تستعد للاستغناء عن استيراد النفط من منطقة الشرق الأوسط، وكان قبله الرئيس جورج بوش الابن قد هدد دول الشرق الأوسط بالاستغناء عن نفطها!

وفهم البعض هذا التحول للولايات المتحدة من دولة مستوردة للنفط إلى دولة مصدرة له سيتبعه تغيير جذري في السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

من جهتهم، فإن بعض المثقفين السعوديين المتشائمين أخذوا يروجون أخباراً مشوهة يأتي في مقدمتها أن الولايات المتحدة ستستغني عن استيراد النفط من دول الخليج، لذلك فإن الطلب على بترول الخليج، ومنها السعودية، سيتعرض ــ في السنوات القليلة المقبلة ــ للهبوط بشكل حاد وأن اقتصادات هذه الدول التى تعتمد على النفط ستعود سيرتها الأولى إلى القرن الماضي وإلى عصور التخلف، وكأَنّ دول الخليج لا تبيع نفطها إلاّ للولايات المتحدة ناسين متناسين أن هناك دولاً في شرق آسيا تنتظر دورها لزيادة الطلب على بترول دول الخليج العربية وبالذات الصين وكوريا الجنوبية.

والمتتبع لأروقة منظمة أوبك يلاحظ وجود اختلاف في الآراء إزاء مستقبل الأسعار بعد الزيادات في الإنتاج من النفط والغاز الصخري، فريق يتوقع انهياراً في الأسعار، بينما يرى فريق ثان أن النمو في الطلب على النفط سينتقل إلى مستوى آخر من التوازن.

وهذا ليس أول وآخر تحد يتعرض له نفط الشرق الأوسط، فقد تعرض بترول الشرق الأوسط لكثير من التحديات واستطاع أن يطلع منها وينتقل إلى مستوى جديد من التوازن.

ولعله من المفيد جداً أن نعيد قراءة المؤتمر الصحافي الذي عقده الأمير عبد العزيز بن سلمان مساعد وزير البترول والثروة المعدنية في الأسبوع الماضي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية والذي قال فيه: إن ترشيد استهلاك الكهرباء ليس له أي تأثير في حجم إنتاج النفط السعودي أو تصديره للخارج، مبيناً أن طاقة السعودية للنفط تصل الآن إلى 12,5 مليون برميل يومياً، وستحافظ المملكة على صادراتها النفطية حتى عام 2035 في ظل الارتفاع في استخدام الطاقة.

وبالنسبة للولايات المتحدة فإن الإدارة الأمريكية ليست ساذجة إلى درجة أنها تبني علاقاتها الاستراتيجية مع دول الشرق الأوسط على أساس شراء البترول وبيعه فقط، لكن الولايات المتحدة ــ كدولة عظمي ــ تصمم علاقاتها علي أساس المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة، ولن تتنازل أو تتسامح مع كائن من كان يريد أن يزحزح رسوخ علاقاتها مع دول الخليج العربية حتى بعد أن تتحول الولايات المتحدة من دولة مستوردة إلى دولة مصدرة للنفط.

وما يجب أن نلفت النظر إليه هو أن النفط العربي ليس مجرد سلعة، إنما هو صناعة ضخمة تقوم على رؤوس أموال هائلة وتديره وتسوقه مجموعة من الشركات الأمريكية العملاقة التى تؤثر في الاقتصاد الدولي وتتأثر به.

وإذا كانت رؤوس الأموال الهائلة في دول الخليج لها تأثير في الاقتصاد الدولي، فإن مسؤوليات الولايات المتحدة ــ كدولة عظمى ــ تتصل بصورة مباشرة وغير مباشرة باقتصادات هذه الدول، ويهمها إلى حد كبير حماية اقتصادات هذه الدول، تماماً كما يهم الولايات المتحدة متابعة تطور الأزمات المالية في منطقة اليورو.

ونعرف جميعاً أن الولايات المتحدة ظلت تبني علاقاتها مع دول الخليج منذ أكثر من نصف قرن وهي غير مستعدة أن تتنازل عن هذه العلاقة التي ظلت تبنيها لأكثر من 50 عاماً، ولن تسمح بخروج هذه الدول عن دائرة نفوذها في المنطقة.

لذلك فإن التنافس الدولي على البترول الخليجي في المستقبل المنظور سيكون في مقدمة اهتمامات الولايات المتحدة، ولا أتصور أن بناء علاقات متينة بين دول الخليج العربية والصين التى تسابق أمريكا اقتصادياً يريح الولايات المتحدة، لذلك فإن الولايات المتحدة ستتمسك بعلاقات قوية ومميزة مع دول الخليج، بل تعتبر الطريق إلى دول الخليج يمر عبر مصالحها الأمريكية العليا.

ودعوني بهذه المناسبة أتساءل: أين الجامعات السعودية من مستقبل خريطة النفط في السوق العالمية؟

إن مراكز الأبحاث في الجامعات الأمريكية بصورة خاصة والغربية بصورة عامة تدرس وتنشر بصورة مستمرة مستقبل هياكل إنتاج وأسعار النفط في السوق العالمية، بينما الجامعات السعودية تغط في نوم عميق ولا تتحدث عن التغيرات المتوقعة في إنتاج الطاقة ولا تتحدث عن مستقبل أسعار النفط، وهي أسعار تتهدد مناطق كثيرة في الاقتصاد الوطني السعودي.

أقول لأن القضية لها علاقة مباشرة باقتصادنا الوطني، فإن جامعاتنا ــ حتى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن ــ ما زالت تنأى بنفسها من الخوض في موضوع حيوي مثل مواضيع التغيرات في هيكل إنتاج وتسعير الطاقة في السوق العالمية، ولا أدري إلى متى تظل جامعاتنا بعيدة عن المناطق الحيوية التى تهم المواطن والاقتصاد السعودي.

أرجو ألا نبالغ في التغيرات التي ستحدث في الإنتاج والأسعار في سوق النفط العالمية، فالموضوع أعقد بكثير من زيادة في الإنتاج، وأعقد بكثير من الاكتفاء الذاتي للولايات المتحدة، ودعوني أقدر وأقول إن أمام النفط الأحفوري مدة لا تقل عن 50 عاما أو تزيد، والسباق في مضمار الطاقة بين الصين ودول شرق آسيا من ناحية والولايات المتحدة من ناحية أخرى سيستعر أكثر بكثير مما نتصور، وسيزيد طلب الصين ودول شرق آسيا على بترول الشرق الأوسط، وسينتقل النفط في السوق العالمية إلى مستوى آخر من التوازن.

أحب أن أؤكد مرة أخرى أن النفط الخليجي شريك قوي في التجارة العالمية، وإذا وصلت الولايات المتحدة إلى الاكتفاء الذاتي، فإنه يهمها كقوة عظمي أن تستمر علاقاتها مع دول الخليج البترولية الشريك القوي في التجارة الدولية على أعلى مستوى.