اراء اعجبتنى...!!

اراء اعجبتنى...!!


شذوذ الآراء وتطرف المواقف وغرابة الاختيارات هى أسهل الطرق اليوم لنيل الشهرة وجمع الأتباع والمريدين، هذه النوعية من الآراء أو الكتابات أو التصريحات تلقى رواجاً كبيراً وقبولاً هائلاً، خصوصاً فى هذه الأيام، حيث ينال صاحبها أعداداً غفيرة من الأتباع والمعجبين يتزايدون باطراد وكثافة كلما ازدادت الآراء شذوذاً وقسوة، ودون أن يشعر السياسى أو المفكر أو الكاتب أو المنَظِّر -أياً كان اختصاصه- فسيجد نفسه تدريجياً يتحول من قدوة ومتبوع إلى تابع منقاد لتلك النوعية غير الموضوعية من الجمهور البعيد عن التقييم التراكمى المنضبط، خاضع لرغباتهم وضغوطهم المطالبة بالمزيد والمزيد من الإثارة والمواقف الصاخبة، وبالتدريج يصير صاحب الرأى أسيراً لتلك الطائفة الأعلى صوتاً والأكثر حضوراً، ورغم تمرده الظاهر وتحرره المزعوم فإنه يصير فى النهاية خاضعاً لتلك الطائفة حبيساً خلف قضبان إملاءاتها.

ويظهر خضوع صاحب الرأى لأسر تلك الطائفة فى خياراته وآرائه التى تلمح فيها نزعة استرضاء مستمرة لهم وبشكل واضح جلى، وذلك من خلال السباحة الدائمة ضد التيار حتى لو بغير حاجة أو ضرورة، وتأخذ السباحة ضد التيار بالتدريج خصائص توافق أهواء طائفة «خَالِف تُعرَف» من عنف فكرى أو سخرية واستهجان مستمر ربما تتطور إلى سوقية فى الطرح وإسفاف فى الأسلوب صار لدى البعض من لوازم الثورية والنضال!!

والحقيقة أن السباحة الدائمة ضد التيار لم تكن يوماً مذهباً أو قاعدة ولا منقبة أو فضيلة إلا فى حالة الفساد المطلق لهذا التيار أو سوء اختياراته الأبدى والمطلق، وهذا كما قلت ليس الأصل أو القاعدة المطردة، فلا شك أنه ستأتى عليه لحظة ويصيب هذا التيار أو ذاك الحق فى موقف أو يصح اختياره فى مقام، وحينئذ تكون مخالفته ضرباً من ضروب العناد والكبر والمخالفة لمجرد المخالفة.

الأصوب فى تقديرى، أن يكون خيار السباحة ضد أو مع التيار من خلال التقييم الوقتى لخيار التيار المقصود لحظة السباحة، وهل وافق الحق أم ينبغى أن أسبح ضده وأعارضه لأنه مخالف للحق؟

بهذا التفصيل يتميز صاحب الرأى والفكر بالموضوعية والإنصاف والحرص على موافقة الحق والصواب بغض النظر عن مصدره أو قائله، فالحكمة ضالته والحقيقة بغيته والصواب هدفه أنَّى وجد شيئاً منه فهو أولى الناس به حتى وإن كان مصدره أبغض الناس إليه.

وهذا هو المفكر المخلص والسياسى الصادق والكاتب النزيه الذى لا يأبه برضى الناس أو سخطهم ولا يشغله إلا مرضاة ربه ومولاه،
هنا فقط يوافقه ويعضد مسيرته الموضوعيون وأصحاب النضج الفكرى وهم -وإن قلوا- فإنهم من يعول عليهم وعلى أكتافهم تقوم الدعوات الراسخة وبسواعدهم تبنى الأعمال الهادفة، وبمثل هؤلاء تنهض الأمم وترقى وليس بمتتبعى الغرائب المهللين للشذوذات والعجائب الباحثين عن البهارات والتوابل الذين لا هَمَّ لهم إلا الإثارة ولا غاية لهم إلا المخالفة، فهؤلاء أصحاب طبيعة متقلبة غير موضوعية حادة المزاج سريعة التغير لا تتسم بأدنى قدر من الإنصاف ولا تبحث إلا عن الإثارة وتوابلها، وتلك الطبيعة تجعلهم ينقلبون على أى أحد فى لحظات معدودة وعند أول منعطف مهما كان قد حاول استرضاءهم من قبل، لأنهم ببساطة جعلوا السباحة ضد التيار خيارهم وهدفهم، وحين يقرر صاحبهم يوماً أن يهدأ وأن يبنى فسيصبح هو التيار وسوف تكون السباحة ضده هى الأكثر إثارة، وحينئذ سيذوق من نفس الكأس الذى طالما أذاق غيره منها وسيجد نفسه يسبح وحيداً بعد أن تركه وسبح ضده أولئك السابحون ضد التيار.
منقول .