يوسف الأحمدي.. رأس ماله قضاء حوائج الناس بالصدقة

مكة المكرمة- هاني اللحياني


«إحسان النية» فتحت له ألف باب للرزق و«الأمانة» أجبرت التجار على شراكته

استند بعد فضل الله تعالى على خمس قواعد؛ إحسان النية، البحث عن الشريك التجاري الصالح، توزيع تنمية المال على أكثر من مجال، إتقان العمل والتعامل بمبدأ الأمانة، قضاء حوائج الناس بالصدقة؛ ليُصبح معروفاً كوسيط ومستثمر ومُطوِّر عقاري، حيث بدأت تتوالى عليه عروض الشراكة من الرياض ومكة المكرمة وجدة، وهو ما قاده إلى تأسيس مكتب بيع وشراء العقار في مكة المكرمة عام 1389ه، مُشدداً على موظفيه أهمية الصدق والتعامل مع العملاء.

الشيخ «يوسف بن عوض الأحمدي» -رجل العقارات المعروف في مكة المكرمة- ترك الدراسة بعد الصف الرابع الإبتدائي بعد أن تعلّق قلبه بالتجارة، حيث تدرج في شراء وبيع الدجاج والبيض والأغنام، ثم الانتقال إلى سوق مواد البناء والتعمير، وأخيراً سوق العقار، لتقوده نجاحاته إلى أن يكون شريكاً مؤسساً في شركات «جبل عمر» و»درب الخليل» و»الشامية» و»المدعى»، وكذلك «التيسير» و»المسيال» و»إعمار أجياد»، حيث يملك عقارات تقدر قيمتها الآن بأكثر من (250) مليون ريال. «الرياض» تستقصي بدايات ونجاحات رجل الأعمال «يوسف الأحمدي».



حي العتيبية

وفي إحدى شعاب مكة المكرمة المتفرعة من شارع "عين زبيدة" في "حي العتيبية" ولد "يوسف الأحمدي" في حارة شعبية، حيث تتلاصق المنازل العتيقة وأكواخ الصفيح، وذلك في عام 1387ه، حيث كان يسكن والده هناك، بعد أن نقل أسرته من المدينة إلى مكة المكرمة، وعلى غرار أحياء مكة القديمة التي تفوح منها روائح الود والطيبة العبقة نشأ الأحمدي وفتح عينيه على جبالها وشعابها في مدينة تعيش حراكاً تجارياً موسمياً.

درس الصفوف الابتدائية الدنيا في مدرسة مجاورة لحلقة "جرول" الشهيرة، حيث تموج بضجيج باعة الخضار والمواشي والدجاج والبيض، وكذلك الفواكه والحبوب والبهارات ومحلات المواد الغذائية، إلاّ أنه لم يُكتب له الاستمرار في الدراسة، وتركها وهو في الصف الرابع، حيث كان شغوفاً بأعمال البيع والشراء؛ بسبب قرب منزل الأسرة من السوق، ليبدأ أول مرة في مزاولة التجارة عن طريق شراء الدجاج والبيض ومن ثم بيعه في السوق، حيث حقق هامشاً ربحياً كبيراً، وهي ما حفّزته على الاستمرار.

طفرة البناء

تطور اهتمامه إلى شراء الأغنام وبيعها، حيث كانت المكاسب أكبر، لكن اهتمام والده بمزاولة البيع والشراء في مجال السيارات أجبره على ترك "حلقة الخضار" إلى "معارض السيارات"، التي كانت تقع على قارعة "طريق العزيزية" الشهير، الذي يُعد أغلى شارع تجاري في مكة اليوم، حيث عرض سماسرة الأراضي على والده قطع أراض بجوار مقر "جامعة أم القرى" بقيمة عشرة آلاف ريال، وهي التي تساوي اليوم ملايين الريالات.

وفي الوقت الذي لم يتجاوز فيه العقد الثاني دخل إلى سوق مواد البناء والتعمير، عبر توصيل بطحاء "الخرسانة" إلى مقار عمل بناء الوحدات السكنية، مما فتح عينيه على سوق آخر لم يكن معروفاً ألا وهو العقار، من خلال الدخول إلى بعض المخططات في قلب أم القرى، وشهدت تلك الفترة طفرة البناء والتشييد، وهو ما جعله يحتك بالمقاولين وسماسرة العقارات لمعرفة أسرار المهنة.

عقارات لا تُنسى

دخل أول شراكة عقارية بمبلغ (5000) ريال لشراء أرض مع مساهمين، حيث وفّر المبلغ بصعوبة بالغة، لكن ارتفاع المكسب إلى خمسة آلاف أخرى فتح شهيته إلى التوسع في ممارسة العمل في سوق العقار.

ولم تُفلح سنين العمر من طمس عقارات محفورة في ذاكرته، مثل عقار اشتراه في المدينة ب(200) ألف ريال، باعه بعد سنوات قليلة ب(700) ألف ريال عن طريق الدين والقروض والشراكة من قبل عدد من إخوته، وقصة أخرى عززت من دعمه في سوق العقار، وهي قصة عقار باعه على مشتر خرج من خلاله بسعي قدره (300) ألف ريال، مما مكنه من دخول شراكات أكبر مع العقاري المعروف الشيخ "محمد السبيعي" وشقيقه "عبدالله"، كانت نسبته تتجاوز (14%)، في حين ارتفع رصيده في عام 1425 ه إلى (80) مليوناً.

خمس قواعد

وفتح توفيق الله تعالى مع بركة الشراكة آفاقاً أوسع له، بعد أن أصبح معروفاً كوسيط ومستثمر ومطور عقاري، وبدأت تتوالى عليه عروض الشراكة من الرياض ومكة المكرمة وجدة، ليؤسس مكتب بيع وشراء العقار في مكة المكرمة عام 1389ه، حيث أكد على موظفيه أهمية الصدق في التعامل مع العملاء.

وبعد ثلث قرن من تجارب التجارة والاستثمار، أرجع النجاح إلى فضل الله تعالى، ثم إلى خمس قواعد انطلق منها وجعلها منارات تضيء له طريق الاستثمار والتنمية والتطوير والتجارة، أولها إحسان النية، وثانيها الحرص على البحث عن الشريك التجاري الصالح بعيداً عن أسلوب الإقصاء وممارسة السرية في شراء الصفقات العقارية، إيماناً بأن إحسان النوايا أساس الشراكة، وثالث قاعدة اعتمد عليها هي توزيع تنمية المال على أكثر من مجال دون حصره أو تجميده على طريقة "لا تجعل البيض في سلة واحدة وإنما وزعه في عدة سلال"، ورابع القواعد التي انطلق منها إتقان العمل والتعامل بمبدأ الأمانة، وخامسها قضاء حوائج الناس بالصدقة التي تؤخذ عن طريق البحث الشخصي عن المحتاج المتعفف، إيماناً بأن الصدقة تنمي الماء وتحقق بركته.



أثر الصدقة

ويروي "الأحمدي" واحدة من القصص التي لمسها في حياته من أثر الصدقة، أن سيدة اتصلت به وهو خارج المملكة وتحديداً في تركيا تطلب مساعدة مالية لدعم أيتام بمكة على وجه السرعة، فقدم لها مساعدة مالية قدرها (50) ألف ريال لتغطية حاجات الأيتام، وبعد أقل من ساعة تلقى اتصال من مستثمر عقاري حوّل له (50) مليون ريال كقيمة أرض اشتراها بمكة بمشاركة شركاء بمبلغ (17) مليون ريال دون أن يفرغ له الأرض.

ويرى أن نسبة كبيرة من رجال الأعمال والمال لم يؤدوا مهمتهم نحو المسؤولية الاجتماعية، وكذلك المشاركة في العمل التطوعي ودعم مؤسسات المجتمع المدني، معتبراً العمل التطوعي بالنسبة له "الابن البار" الذي يزكي ماله وينميه ويحقق له أعلى الصفقات الرابحة مع الله تعالى، متطلعاً إلى تبني مشروعات تطوعية عبر الجهات الرسمية، أو عن طريق التدريب والتأهيل الوظيفي لأبناء الأسر المنتجة، حيث أن لدى مؤسسات المجتمع المدني مشروعات تطوعية قُدِّمت بدارسات جيدة إلاّ أنها تنتظر الدعم والتنفيذ.

بطء الإجراء

وحمّل الأحمدي كمهتم بالأوقاف مسؤولية تدني واقعها إلى وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، وكذلك وزارة الشؤون الاجتماعية؛ بسبب سلبية الإدارة وتواضع الجهود التعريفية، وكذلك ضعف المهنية الإدارية، إضافةً إلى غياب الاستراتيجيات وندرة الكفاءات المحترفة في التنمية والتطوير والتسويق، طارحاً واقع أوقاف مكة المكرمة دليلاً للواقع المرير، حيث تتعطل مصالح الأوقاف وينضب الريع ويتأثر المستفيدون؛ بسبب بطء الإجراء الحكومي، مما جمد عشرات المليارات التي قدرت لنزع ملكية تلك الأوقاف وجعلها حبيسة لا تدار ودون أدنى تدخل لإنقاذها.

وإذا كان كثيرون يفتخرون بحرف الدال وهم بلا مشروعات أو أفكار تخدم المجتمع، فإن "الأحمدي" صاحب شهادة الصف الرابع الابتدائي قدم عدة تصورات كحلول هندسية لمركزية مكة المكرمة بكلفة (500) ألف ريال، قدّمها أمام سمو أمير منطقة مكة المكرمة وأمانة العاصمة ووكالة وزارة الشئون البلدية والقروية، ركزت على معالجة العشوائيات وفك الاختناق المروري وتنمية الأحياء المكية، إضافةً إلى تحقيق الإفادة من أراضي أقدس بقعة على وجه الأرض.

تراجع عن صفقة

ولعل من أبرز الصفقات التي تراجع عنها في اللحظات الأخيرة صفقة شراء جزيرة في دولة إسلامية سياحية، خطط أن تكون استثمارا سعوديا لتحقيق السياحة المحافظة والبديلة للخليجيين، حيث اتفق على شرائها ب(80) مليون ريال لبناء منتجع سياحي للأسر التي تعيش الأجواء المحافظة في بيئة أوروبية، وقد زارها (12) مرة وتفقدها بطائرة عمودية، لكنه فطن إلى الاستثمار في بلاده أفضل، وأن المواقع السياحية بمنطقة مكة المكرمة أحق بأن ينفق عليها المخصص لبناء تلك الجزيرة.

ويفتخر أنه وُفِّق في تخصيص (70) وقفاً لدعم العمل التطوعي والخيري بإشراف حكومي لدعم أعمال جمعية مراكز الأحياء ولجنة إصلاح ذات البين بإمارة منطقة مكة المكرمة، اعتبرها جزءا من المسؤولية الاجتماعية وواجبا دينيا ووطنيا لمشاركة القطاع الحكومي والخيري لتحقيق التنمية.

شريك مؤسس

ويُعد "الأحمدي" شريكاً مؤسساً في شركات "جبل عمر" و"درب الخليل" و"الشامية" و"المدعى"، وكذلك "التيسير" و"المسيال" و"إعمار أجياد"، كونه يملك عقارات تقدر قيمتها الآن بأكثر من (250) مليون ريال، كما يُعد عضواً في لجنة المسؤولية الاجتماعية بغرفة تجارة وصناعة مكة المكرمة، وعضواً في لجنة نزع الملكيات في مشروع خادم الحرمين لتوسعة الساحات الشمالية، وكذلك عضواً في مركز حي الحمراء.

ويزهو بتبنيه تصميم تطوير المنطقة المركزية من خلال تقديمه تصوراً هندسياً يعتمد على تحقيق أقصى المنافع لأرض حرم مكة، وعبر شق الطرق الاشعاعية ومعالجة البيئة الجبلية، للإفادة من قمم الجبال وتحويلها من أحياء شعبية إلى مناطق فندقية فاخرة لإسكان الحجاج والمعتمرين، تضم الأسواق الحديثة وكافة الخدمات المساندة، حيث كسب إشادة أمير منطقة مكة المكرمة صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل والقيادات في أمانة العاصمة المقدسة، وكذلك هيئة تطوير مكة المكرمة ووزارة الشؤون البلدية والقروية.

http://www.alriyadh.com/2013/05/03/article831831.html