القروض ضرر مزدوج.. على الأفراد والدولة!

سامي الريامي


لن يدرك ضخامة مشكلة القروض الشخصية، وتأثيراتها السلبية في الأفراد بالدرجة الأولى، ثم في اقتصاد الدولة، إلا من يتمعن في قراءة الأرقام بشكل تفصيلي، فالمواطن البسيط عندما يوقع على عقد حصوله على قرض لمدة 20 عاماً، لا يدرك أن هذا القرض، منه ومن غيره، يشكل أرباحاً للبنوك لا يتخيلها عقله، وضرراً اجتماعياً واقتصادياً لا يستوعبهما أيضاً!




ومن أجل ذلك، ينصب جل تركيز البنوك العاملة في الإمارات على قروض الأفراد، أو ما تسميه هي "إقراض التجزئة"، نظراً إلى العائد الكبير الذي يؤمنه هذا القطاع، وتثبته بيانات "المركزي"، التي تشير إلى أن إجمالي القروض الشخصية من بطاقات ائتمانية، وقروض للأفراد، وتمويل سيارات، وغيرها، بلغت نهاية العام الماضي 260.9 مليار درهم، ونمت خلال العام الماضي بنسبة 3.5%، مقارنة بعام 2011، هذا من دون احتساب التمويلات العقارية، سواء التجارية أو الخاصة ببناء المساكن، التي وصلت نهاية العام الماضي منفردة إلى 235.8 مليار درهم، ما يعني أن قروض الأفراد (شخصية وعقارية) تبلغ 514.7 مليار درهم، تشكل 46.9% من إجمالي تمويلات البنوك لجميع القطاعات، والمقدرة بتريليون و99 مليار درهم! لذلك، فمن الطبيعي جداً أن تعول البنوك على دخلها من فوائد إقراض الأفراد، لتحقيق مستويات ربحية مرتفعة، وتعتبره المصدر الأقل خطورة والأكثر ريعاً، مقارنة ببقية أنشطة التشغيل، فقد نما صافي إيرادات الفوائد للبنوك، كما ذكرت في مقال أمس، بنسبة 3.7%، ووصلت إلى ما قيمته 38.9 ملياراً، مقارنة ب37.5 مليار درهم عام 2011!

وعلى الرغم من تدخل المصرف المركزي، بوضع نظام يحدد الرسوم والعمولات المفروضة على الخدمات المصرفية، نهاية فبراير 2011، فإن أرقام الميزانيات المعلنة للبنوك، تؤكد أن أرباح البنوك المتأتية من الرسوم، تحتل المرتبة الثانية بعد فوائد القروض، فقد أسهمت بنسبة 20% من إجمالي الإيرادات، ووصلت نهاية العام الماضي إلى 12 مليار درهم تقريبا!

هذه الأرقام الخاصة بالقروض الشخصية، تشكل ضرراً على اقتصاد الدولة من نواحٍ عدة، أولها أنها سيولة مفقودة من قبل المواطنين، وتالياً فإن قدراتهم الشرائية تتراجع، بحجم الاستقطاعات الشهرية التي تذهب إلى البنوك، ما يؤثر في قطاعات اقتصادية تشكل عصب دورة رأس المال، مثل قطاع التجزئة الذي يشكل بمفرده 12% من الناتج الإجمالي لمدينة مثل دبي!

كما أن تركيز البنوك عملها على الإقراض الشخصي لتحقيق الأرباح، جعلها تتحفظ على تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، بدعوى ارتفاع نسب المخاطرة فيها، وأخذت تفرض نسب فائدة تعجيزية، تصل في بعض النشاطات إلى 25%، بحسب دراسة معلنة أعدتها دائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي، ما جعل كثيرين من أصحاب المشروعات يفضلون الخروج من السوق، على الرغم من دعوات الجهات الرسمية إلى ضرورة دعم هذا القطاع الحيوي، الذي يشكل أكثر من 90% من اقتصاد الإمارات! وترفض البنوك، أيضاً، الكثير من طلبات التمويل الصناعي، بحجة أن دورة رأس المال فيه بطيئة، والعائد منخفض مقارنة بنشاط الإقراض، لذا يقول كثير من الصناعيين إن القطاع يقوم على تمويلاتهم الشخصية، لافتين إلى وجود بنك أجنبي، هو "إتش إس بي سي"، يمولهم أفضل من البنوك الوطنية، وهو الرأي نفسه، الذي يقوله أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة! فهل ذلك مفيد لاقتصاد الدولة، أم لأعداد قليلة من أعضاء مجالس الإدارات وكبار التنفيذيين في البنوك؟!

نقلاً عن صحيفة "الامارات اليوم"