بذل الجهد في نسيان الله

السلام عليكم ورحمة الله.
إخوتي الكرام عند قراءة تصوير القرآن الكريم لشدة العذاب في نار جهنم قد يتساءل البعض: هل يستوجب تقصير أهل النار في التعرف على الله والتقرب منه كل هذا العذاب؟ ألا يعطَون فرصة أخرى؟
نذكر هنا إخواني بأن جريمة أهل النار لم تكن أنهم لم يبذلوا جهدا كافيا لتذكر الله، بل في أنهم بذلوا جهدا كبيرا في تناسي الله!
انظر إلى قوله تعالى: ((والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور ( 36 ) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) )) (فاطر).
((أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر))...إخوتي، التوبة لا تحتاج وقتا طويلا. قد يتوب الإنسان في لحظة يقظة شعور، يستعرض فيها ما فات من حياته فيحس بشدة غفلته وبعده عن الله، ويتذكر سبب وجوده في هذه الحياة، فتدمع عينه ويتحرك لسانه أنْ: (اغفر لي يا رب)، ويعزم في قلبه بصدق على ترك المعاصي والإقبال على الله ويبدأ في ذلك بالفعل، يقوم فيتطهر ويصلي. فينسف الله جبال سيئاته بل ويبدلها حسنات!



كم يحتاج هذا كله من وقت؟ ربع ساعة؟ كم ربع ساعة مرت عليك في حياتك؟ إن كنت يا من تسمع هذه الكلمات في الثلاثين من عمرك، فقد مر عليك أكثر من ستة وثلاثين ألف ربع ساعة أنت فيها مستيقظ بالغ مكلف! أكثر من ستة وثلاثين ألف فرصة لتوبة من هذا النوع، وليست فرصة واحدة....((أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر))
أليس التغافل والتناسي لله طوال هذه الفترة جريمة تستحق العقاب الشديد؟ خاصة وأنكم يا أهل النار خلال هذه الفترة: ((جاءكم النذير)). آيات الله نذر، أحاديث نبيه صلى الله عليه وسلم نذر، عجائب الخلق المبثوثة في كل مكان بل وفي نفسك أنت نُذُر ((وفي الأرض آيات للموقنين (20) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (21) ))، موت أقربائك وأصدقائك ومعارفك الأكبر والأصغر منك سنا نُذُر، الأمراض التي تصيبك نذر، المواقف الخطيرة التي ينجيك الله منها نذر، ظهور الشيب في شعرك والضعف في بدنك وانقضاء كل يوم من عمرك نذر، هلاك الناس من حولك بالكوارث والزلازل والأعاصير نذر...لكن...((وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون)).
الكون من حولك، بحَيه وجماده ومناظره وأصواته، الأحداث التي تحصل لك ولمن حولك، أخبار الأمم الماضية في القرآن وفي سجلات التاريخ كلها نذر تنادي بك أنْ: (يا إنسان: أنت من خلق الله، وسترد إلى الله، فماذا أعددت؟) ...((وجاءكم النذير)).
التعامي عن هذا كله هذه الفترة كلها...أليس جريمة؟ أليس نسيان الله بينما كل شيء في الكون من حولك وفي أعماق كيانك يذكرك به سبحانه...أليس نسيانه بعد ذلك جريمة؟ كم من جهد بذل هذا الإنسان الغافل لينسى الله!! إنه لم ينسَ إنسانا أحسن إليه في قديم الزمان ثم اختفى من حياته، بل قد نسي الله! كم شغل هذا الغافل نفسه بالمعاصي وتلهى ليستطيع أن يتخلص من صراخ الكون وصراخ أعماق الكيان أن: (عُد إلى الله!)... ((أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير)).

اللهم ردنا إليك ردا جميلا ولا تجعلنا من الغافلين.
والسلام عليكم ورحمة الله.



الدكتور إياد قنيبى