استفسارات عن الارجاء ولماذا المرجئة يحاربون الجهاد؟

السؤال:

ما هو الإرجاء ، وما هي خطورة هذه العقيدة ، وما هي أسبابها ، ولماذا هم يحاربون الجهاد ويعارضونه ، حتى وزعوا لدينا شريطا محصلته أنه لاجهاد في هذا العصر ، وأن المجاهدين خوارج ، وما حكم الدول التي تسن القوانين التي تجرم الجهاد ، وما حكم من يعينهم على مراقبة المجاهدين ، وملاحقتهم والزج بهم في السجون ؟



**********************

جواب الشيخ:

الحمد لله والصلاة والسلام على نبنيا محمد وعلى آله وصحبه وبعد : ـ

ما هو الارجاء :
ـــــــــــ

والمشهور فــــي اطلاق اللفظ الارجاء ، في تاريخ الفرق ، أنه يطلـق على إخراج العمل من اسم الايمان ، والمرجئة هي الفرقة التــــي تجعل الإيمان الذي فرضه الله تعالى على عباده وأرسله به رسله ، هـــــو تصديق القلب فحسب ، او هو مــــــع النطـــق بالشهادتين ، أو معهمـا عمــل القلـــب ـ على خلاف بينهم ـ وقد أخرجت المرجئة العمل من اسم الايمان ، وجعلتـــــــه أمرا زائدا على حقيقته ، ليس جزءا منها ، خارجا عن ماهيّته ، وبنـــوا على هذا التصــــــــور الخاطيء ، عقيدتين ضالتين :

أحداهما : أن مــن تولى عن الانقياد بجوارحه لمـــا جاءت به الرسل ، فلم يعمل شيئـــا قط مع العمل والتمكن ، أن ذلــــك لاينفــي عنه اسم الايمان ، ولايخرجه من دائرة الاسلام .

الثانية : أن الايمان لاينقضه فعل فاعــــل ، مهما كان فعله موغلا فــي الكفر أوالاشراك ، مالــم يقترن بفعله ، جحود أو استحلال ، ذلك ان الايمان هو التصديق ، فلاينقضـه الا التكذيب في زعمهم .

مع أن بعض الذين يتبنون هاتين العقيدتين الضالتين ، لايقولون إن الايمان هو التصديق فحسب ، ومع ذلك يتناقضون هذا التناقض القبيح ، إذ الإيمان إن كان قولا وعملا ، فلا بد أن يكون نقضه بالقول والعمل أيضا .

أين تكمن خطورة عقيدة الارجاء ؟
ــــــــــــــــ

وتكمــن خطورة هاتين العقيدتين ، في أنهما يجردان الايمان الذي نزل به القرآن ، من خاصيّتــه الحيويّـة التي تربط بين الباطن والظاهر ، والقلب والجوارح ، والتي تحـــــــوّل الانسان الـــــــى طاقة إيمانية هي ينبوع العمل الصالح ، كما قال تعالى : (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ابراهيم 25

وليست كلمات باهتة مجردة .

فهذان الاعتقادان ، يجعلان الإيمان كالتصورات النظريّة الجامدة ، أوكالعقائد الميّتة التـي لاحراك فيها .

فهما في حقيقتهما ، إنما يهيّّئـان الطريق لانحراف البشريّة عن اتّباع الرسل ، ويفسحان السبيل لتعطيـل ترجمة تعاليم الدين إلى واقع حياتي.

كما أنهما يحرضان على الردّة بالقول والعمل .

ويجعلان التهجم على الدين ، سهل المنال ، ذلك أنه يكون في مأمن من الحكم بالردة ، تحت ذريعة عدم توفر شرط الجحود والاستحلال .


مدى شناعة ما يترتب على عقيدة الارجاء :

ــــــــــــــــ

وقد عبـــــر الامام ابن القيم في نونيته عن مدى شناعة ، عقيدة الارجاء ، هذا التصور الخاطيء لحقيقة الايمان وما يؤدي اليه ، في هذه الابيات :

وكذلك الإرجاء حين تقــــرّ بالمعبـود تصبـــح كامــل الإيمـــــان
فارم المصاحف في الحشـوش وخرّب البيت العتيق وجدّ في العصيان
واقتل اذا ما استعطت كل موحّد وتمسّحـــــــن بالقسّ والصلبــان
واشتم جميع المرسلين ومــن أتــوا مــن عنــــده جهراً بلا كتمان
واذا رأيت حجارة فاسجـد لهـــا بـــل خـِــرَّ للأصنــام والأوثـان
وأقــرّ أنّ اللـــــّـه جلّ جلالـه هــو وحـده البـاري لذي الأكوان
وأقــــرّ أنّ رسوله حقاً أتـــى مـن عنــده بالوحــــي والقرآن
فتكون حقاً مؤمنـاً وجميـــع ذا وزر عليـــك وليـــس بالكفــران
هذا هو الإرجاء عنــد غلاتهـم مـــــن كــل جهميّ أخـي شيطان

العلمانيّون اللاّدينيون يفرحون بهذه العقيدة المنحرفة :

ـــــــــــــــ

وإن مما يثير الآسى ، أن هذا بعينه ما يروّجه زنادقة العصر العلمانيّون اللاّدينيّون ، ، فغاية أمانيهم ، أن يختزل كل دين الإسلام الــــــى أمر يعتقده الانسان ـ ان بدا له ذلك ـ بجنانــــه .

وليس لاحـــــــد أن يسأله فيما وراء ذلك ، عن أي التزام من قول أو عمل ، فالايمــان ـ إن كان ولابدّ منه عند اللادينين ـ لاينبغي أن يعدو كونه تصديقا محضــا ، لاينبني عليه أي موقف عملي ، الا أن يكون كمالا ، لايؤثر زواله أجمع في حقيقة الايمان .

الارجاء انهزام نفسي :
ـــــــــــــــــــ

وقد رد على المرجئـــة ذينك القولين ، كثير من العلماء المتقدمين والمـتأخرين والمعاصرين ، وطويت هذه البدعة الى حين .

ثم أثيــــر غبارهـا مرة أخرى من بعض الإسلاميين ، متأثرين ـ من حيـــــث لا يشعرون ـ ، بالدعوة اللادينية ، وبتخويفها من الحكم على زنا دقتهم اللادينيين بالــردة ، وإشهارها سلاح الاتهام ( بالتكفيريين ) لمن يكفر ملحديهم ، ووصمه بأنه ( متطرف ) أو (إرهابي ) .

فتراجعــت أمام صيحات هؤلاء الزنادقة ، عقـــول حائرة ، فطاشـــت سهامها ، وفرّت خوفا مــــن الوقوع في فتنة التكفير المتخبط بغيـــر هدى ، إلى فتنة الإرجاء المخذّل الذي يهدم عقيدة الأمـــّــة .

فروّجت للمقالتين الإرجائيتين الضالّتين السابقتيـن ، في بعض الإصـدارات والكتــب ، وانتشرت في بعض أوساط الصحوة الإسلاميــــة ، وتبنـّـاها بعض المتحمّسيــن ، احسانا للظن بمؤلّفيها أو مُزكّيها ، فأخذت في الرواج والإنتشــارسريعا .

من أسباب انتشارالارجاء ، والاستهانة بمنزلة العمل من الدين ، وتهوين الوقوع في الردة :
ـــــــــــــــــــ

ولعل من اسباب انتشار ظاهرة الارجاء فـــــــي هذا الزمن ، الذي تمر به الأمّة وهي تعاني تراجعاً في التمسك بدينها ، وهجمة من أعداءها ، أنها وافقـــــــت استــــرواح النفوس الــــى طلب الدعــة ، والراحة من عناء مواجهة الباطل وأهله.

ومن أسبابها ايضا : الاسترسال ، والانقياد ـ بغير شعور ـ لضغط الواقع ، مع الدعوة العالميّة الى حريّة المعتقد ، وترك الناس وشأنهـــــم ما يفعلـــــون ، حتى لو كانت أفعالهم نواقض تهدّ كيان الإيمان هدّاً .

ومن المعلوم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، و معارضــــــــة الباطل لاسيما اذا كان كفراً ، تستــدعي جهداً وجهاداً يشقّ على النفــوس ، خاصّة اذا كان أهل الباطل هم الطواغيت ، أهل السطـــوة والحبوة ( من الحباء أي العطاء ) وقديمــا قيل : ان البدعة اذا وافقت هوى ، فما أثبتها في القلوب .

البدع تبدأ صغاراً ثم تؤول كباراً :
ـــــــــــــــــ

وقد كان بعض السلف يقول : إن البدع تبدأ صغارا ثم تؤول كبارا ، وقد وجدنا هذا حقا في المرجئة ، فما كنــّا نظنّ أن تتعدّى نزعة التخذيل لديهم إلى درجة أن ينتقلوا من التنظير الشرعي لتسلط الطواغيت على الأمة ، إلى التنظير للاحتلال الصليبي لها ، ثم كان منهم أن فعلوا ذلك ، ففيهم اليوم من علا صوته مدافعا عن الاحتلال الصليبي للعراق ، واصفا إياه بأنه أخف الضررين ، وفيه مصلحة للشعب العراقي ، محاربا المجاهدين فيها ، ناعتا لهم بأقبح أوصاف الذم ، ولاريب أن في هذا القول من الضلال الصريح ، بل الكفر القبيح ما فيه .

اقتران الإرجاء بالتخذيل عن الجهاد ومحاربة المجاهدين :
ــــــــــــــــ

هذا وسبب اقتران الإرجاء بالتخذيل عن الجهاد ، ومحاربة المجاهدين ، أن منبعهما واحد ، إذ كان الإرجاء في حد ذاته ، نزعة تخذيل ، وهو عاهــه ضعف ، هي جزء من التركيب النفسي والعضوي للشخص .

وأيضا داعيهما واحد ، فالإرجاء كما قال المأمون ( دين الملوك ) ، ولهذا ما بَعُـد عن الحقيقة من قال : إن الإرجاء أصلا نشأ نشأة سياسية ، ولهذا كان المرجئة دوما أداة طيعة بيد الملوك والحكام والساسة ، لأن محصلة عقيدتهم الضالة أنهم يقولون : دعوا من تولّى عليكم ، يقول ويفعل ما شاء ، لأنّه مؤمن بمجرد انتسابه إلى الاسلام ، يكفيه ذلك ، والله يحكم فيه يوم القيامة ، ليس ذلك إليكم ، فدعوه يوالي الكفار ، ويحارب الإسلام ، وينصب الطاغوت حاكما بين الناس ، ويفتح باب كل شر على الأمة ، فإنما هي الذنوب ، التي لايسلم منها أحدٌ ، كل ابن آدم خطاء !! بل هو خير ممن ينكر عليه ، لأنهم خوارج ، والعصاة أهون شرا من الخوارج ، فليت شعري ، ما أحوج الطواغيت إليوم إلى هــذا (الافيون) ليســـري في جســــد الأمة !

حكم من يجرّم الجهاد ، ويعين الطواغيت على ملاحقة المجاهدين :
ــــــــــــــــــ

هذا وكل من قام بجهاد مشروع ، ينصر فيه دين الله ، أو يدفع عن حرمات المسلمين ، أو يكف بأس الذين كفروا عن أهل الإسلام ، فإن سنّ القوانين التي تجرِّم هذا الجهاد المشروع ، وملاحقة من يقوم به ، إرضاء للكافرين ، هو من نواقض الإسلام ، وهو من اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، وقد تبرأ الله تعالى ممن اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، قال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء .. الآية ) .

وقال تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لاتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) .

وإثم النهي عن جهاد الكفار ، من اعظم الآثام ، لانه لا فتنة أعظم من فتنة ظهور الكفار على بلاد المسلمين ، واستعلاءهم على أهل الإسلام ، فمن يكن عونا على الفتنة هو شريك في جريمتها ، وجزء منها ، وإذا كان الله تعالى قد قال ( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) .

قال ذلك في الذين يقعدون مع المنافقين ، ولا ينكرون عليهم خوضهم في آيات الله بالباطل ، فكيف بالذين يعينون أهل الباطل على باطلهم ، ثم كيف بالذين يحاربون أهل الحق إرضاء لأهل الباطل!.

ومعلوم أن من نصر قوما ووالاهم حشر معهم يوم القيامة ، فمن نصر المجاهدين ووالاهم حشر معهم ، ومن نصر الكفار ووالاهم وكان معهم على المجاهدين ، حشر معهم ، ولسوف يتبرؤون منه ، يوم لا ينفع مال ولا بنون ، بل ذلك اليوم يكفر بعضهم ببعض ، ويلعن بعضهم بعضا ، كما قال تعالى عن الكافرين وأولياءهم : ( ويوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار ومالكم من ناصرين ) والله أعلم


الشيخ حامد العلي حفظه الله