الكتابة الإدارية

الكتابة الادارية فن قديم في اللغة العربية، بدأ مع نشأة المدنيات العربية القديمة في العراق والشام واليمن وحاجة هذه المدنيات الى الرصد والتسجيل بإستخدام الكتابة بشتى صورها واشكالها وصولا الى الكتابة العربية التي بدأت تباشيرها الاولى في اليمن واخذت شكلها المتعارف عليه حاليا قبل مولد الرسول ز بقرن من الزمان ، وقد استخدم الجاهليون الكتابة الادارية لاغراض مختلفة كان منها تسجيل العهود والمواثيق والأحلاف كما وردفي قول الحارث بن حلزة اليشكري احد شعراء المعلقات:

واذكروا حلف ذي المجاز وماقدم فيه، العهود والكفلاء
حذر الجور والتعدي وهل ينقضمافي المهارق الاهواء
وهي اشادة صريحة بحلف ذي المجاز الذي كان من دلائل فضله الحرص على تجنب الجور والتعدي باستخدام الكتابة في المهارق (وهي كتب العهود والمواثيق) ويشير الشاعر الى صعوبة نقض ما يكتب في هذه المهارق بالاهواء، كما سجل الجاهليون تجارتهم او ما يعرف في عصرنا هذا بالمحاسبات التجارية والحقوق والمغارم وفي ذلك يقول علباء بن ارقم:

والمقصود انه عمد الى تسجيل حقه على المدين في صحيفه كما نفعل نحن اليوم لتوثيق الحقوق وقد برر الشاعر أخذه لهذه الصحيفة باطمئنان قلبه بضمان الحقوق التي قد يخالفه فيها المدين حين يجور او يظلم، كما عرف القوم كتابة الرسائل العامة والخاصة سواء تلك التي كانت تتم بين الملوك بعناية كاتب ضابط او بين الأفراد الذين يكتبون ما يستجد في حياتهم من أمور وشئون لا تعني أحدا سواهم، وهذه كثيرة معلومة حفلت بها كتب الأدب والتاريخ القديمة ولمن شاء الرجوع إليها في مضانها المختلفة.

ثم اشرق على العالم نور الإسلام الذي بدأ بإقرأ وثنى بالقلم فكانت الكتابة الإدارية أسلوبا من أساليب الدعوة فكتب الرسول صلى الله عليه وسلم الى ملوك العرب والعجم يدعوهم الى الاسلام واصطفى عليه السلام عددا من الكتاب لهذا الغرض فكان من كتابه عمر بن الخطاب وعلي بن ابي طالب ومعاوية بن ابي سفيان وزيد بن ثابت وابي بن كعب وغيرهم رضي الله عنهم اجمعين الذين كتبوا له صلى الله عليه وسلم عددا من العهود والمواثيق مع اليهود في المدينة ثم كانت كتابة الصلح المشهور بصلح الحديبية في السنة السادسة من الهجرة وقد كتبه علي بن ابي طالب رضي الله عنه، ثم كانت كتابة التوجيهات الحربية زمن ابي بكر الصديق رضي الله عنه ومراسلاته مع قواده ايام حروب الردة وفتوح الشام والعراق ثم دونت الدواوين زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونظمت سجلات الجنود والعطاء وغيرها ولعل من اشهر الكتب في عصره مما يصح ان يعد نموذجا للكتابة الادارية زمن الراشدين كتابه المشهور الى ابى موسى الاشعري رضي الله عنه في القضاء والعهد الذي أبرمه مع اهل بيت المقدس واشهد عليه عددا من الصحابة ثم استمرت الكتابة الادارية في تطور مستمر مرورا بالامويين الذين بلغت الدولة الإسلامية في زمنهم (زمن الوليد بن عبد الملك رحمه الله تحديدا) اقصى اتساعها وما استتبعه ذلك من ضرورة الكتابة الى الأمصار وتطوير العمل بالدواوين الادارية لتشمل مساحات شاسعة من الاراضي الامر الذي ابرز مجموعة كبيرة من الكتاب المتخصصين كان على رأسهم عبد الحميد بن يحيى العامري (المتوفى سنة 132ه) الذي عرف بعبد الحميد الكاتب وعبد الحميد الأكبر تقديرا من معاصريه للعمل الجليل الذي قام به والمتمثل في تقعيد القواعد العامة للكتابة الإدارية في عصره وبحق قيل فتحت الكتابة بعبدالحميد، يقول رحمه الله في رسالته المشهورة الى الكتاب موضحا الثقافة التي ينبغي ان يحصلها الكاتب : ( فتنافسوا معشر الكتاب صنوف الاداب، وتفقهوا في الدين وابدؤا بعلم كتاب الله عزوجل والفرائض ثم العربية فإنها ثقاف السنتكم ....حتى قال وارووا الاشعار واعرفوا غريبها ومعانيها وايام العرب والعجم واحاديثها وسيرها ...الخ) وغيرها من النصائح العامة التي تنفع الكاتب الجيد في زمنه بل وبعد زمنه مع شيء من التحوير في كلامه تفرضه طبيعة العصر واختلاف الزمان بين جيل وآخر.

اما العصر العباسي وهو العصر الذهبي للدولة الإسلامية في مجال العلوم ( عصر المأمون رحمه الله تحديدا)، فقد تميز باختلاط ثقافات الأمم بين عربية وفارسية ويونانية وهندية وتبلور فيه ذلك المزيج الثقافي الرائع الذي نسميه اليوم بالحضارة الاسلامية، وكان لذلك اثره الكبير في تطور فن الكتابة الإدارية، ولعل الظاهرة الاولى الجديرة بالملاحظة في هذا المجال هو ميل الكتاب الإداريين في هذا العصر الى الاختصار بقدر الإمكان، وكان لذلك أثره في تطور فن من اجمل فنون الادارة الكتابية وهو فن التوقيعات، أي اختصار المعاني الكثيرة في الكلمات القليلة التي يوقعها المسؤول الإداري على طرف الخطاب ومثاله ماكتبه الخليفة المأمون الى متظلم: (من علامة الشريف ان يظلم من فوقه ويظلمه من دونه) وما كتبه جعفر بن يحيى البرمكي وزير الرشيد لاحد الولاة وقد كثرت الشكوى عليه: ( قد كثر شاكوك وقل شاكروك فإما اعتدلت وإما اعتزلت)، وغيرها كثير وقد كانت هذه التوقيعات القصيرة وما زالت من اكثر الأمور دلالة على عقل كاتبها وحظه من الحكمة والثقافة.

وتلى ذلك عصر تدهور فيه كل شيء في العالم الاسلامي علميا واجتماعيا وثقافيا، ولم تكن الكتابة الإدارية بمعزل عن المجتمع من حولها، فشغل الكتاب الإداريون أنفسهم بالمبنى دون المعنى فاشتغلوا بالبديع والجناس واكثروا من الإطناب في مواقع الإيجاز وشغلوا بالألقاب الفخمة عن غاية الكتابة أصول الفن، كما دخلت الألفاظ الأعجمية بين تركية وفارسية في القاموس الإداري العربي بتأثير الهيمنة الجغرافية للأعاجم ثم كانت النهضة الأدبية المعاصرة في أوائل هذا القرن، فأعادت لهذا الفن الكثير من بهائه ورونقه لارتباطه الوثيق بنهضة اللغة وانتشار التعليم في المجتمع الذي ينشأ من بين أفراده المثقفون في مجالات مختلفة، لعل من أكثرها دلالة على عودة الوعي الى عقل الامة كثرة الكتاب المتميزين بين أفرادها.

منقول...............

كل الردود: 0
هذا موضوع قديم، وتم إغلاق الردود عليه آلياً.
عرض وسائل التواصل مع الكاتب
تطبيق مستعمل

تصفح بسرعة مع تطبيق مستعمل!