هل تحتاج إلى قلب جديد؟!

القلب .. وما أدراك ما القلب ؟!
القلب هو القائد الأول، فهو الملك .. والجوارح له جنودٌ وخدم ..
يقول الله عزَّ وجلَّ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (*) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88,89]
وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" [صحيح مسلم]

والله يريد منك قلبك ،،
فكم من عملٍ يتصوَّر بصورة الآخرة، ولا يقبله الله لفساد ما في القلب ،،
وكم من عملٍ يتصوَّر بصورة الدنيا، ويكون لله قربة بصحة ما في القلب من نية ،،
ومن عجيب أمر الله فيه أنه جعل بصحته وبقائه وانتظام دورته حياة الجسد .. وجعل سبحانه بطهارة القلب وسلامته من الآفات حياة الروح ،،
القلب .. هو المُطيع في الحقيقة لله، وإنما ينتشر على الجوارح من العبادات أنوارُهُ ..
القلب .. هو العاصي المتمرد على الله، وإنما الساري على الأعضاء من الفواحش آثارُهُ.

بإظلام القلب واستنارته تظهر محاسن الظاهر ومساويه، إذ كل إناءٍ ينضح بما فيه ..
وبصحة القلب وسلامته وطهارته تظهر ثمرة الأعمال، وإلا فعمل لا يصل إلى القلب لا تتم فائدته ..

قال رسول الله "أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ" [متفق عليه]

يقول ابن القيم رحمه الله "فلا إله إلا الله كم في النفوس من علل وأغراض وحظوظ تمنع الأعمال أن تكون لله خالصة وأن تصل إليه ! وإن العبد ليعمل العمل حيث لا يراه بشر البتة وهو غير خالص لله، ويعمل العمل والعيون قد استدارت عليه نطاقًا وهو خالص لوجه الله، ولا يميِّزُ هذا إلا أهلُ البصائر وأطباء القلوب العالمون بأدوائها وعللها ..
فبين العمل وبين القلب مسافة .. وفي تلك المسافة قُطَّاع تمنع وصول العمل إلى القلب، فيكون الرجل كثير العمل وما وصل منه إلى قلبه محبة ولا خوف ولا رجاء، ولا زهد في الدنيا ولا رغبة في الآخرة، ولا نور يفرق به بين أولياء الله وأعدائه، وبين الحق والباطل، ولا قوة في أمره، فلو وصل أثر الأعمال إلى قلبه لاستنار وأشرق، ورأى الحق والباطل، وميَّز بين أولياء الله وأعدائه، وأوجب له ذلك المزيد من الأحوال.
ثم بين القلب وبين الربِّ مسافة .. وعليها قُطَّاع تمنع وصول العمل إليه، من: كِبر، وإعجاب، وإدلال، ورؤية العمل، ونسيان المِنَّة، وعِلَل خفية لو استقصى في طلبها لرأى العجب، ومن رحمة الله تعالى سَتْرُها على أكثر العمال، إذ لو رأوها وعاينوها لوقعوا فيما هو أشد منها من: اليأس، والقنوط، والاستحسار، وترك العمل، وخمود العزم، وفتور الهمة .." [مدارج السالكين (1:439)]

فمهمة القلب الأصلية التي خُلِق لها هي أن:
1) يسير إلى الله عزَّ وجلَّ والدار الآخرة.
2) ويكشف عن طريق الحق ونهجه.
3) ويكشف آفات النفس والعمل.
4) ويكشف قُطَّاع الطريق.

وذلك بخمسة أشياء:
1) بنوره ..
2) وحياته وقوته ..
3) وصحته وعزمه ..
4) وسلامة سمعه وبصره ..
5) وغيبة الشواغل والقواطع عنه.
واعلم أن الله تعالى رَحِمَ عبده حيث لم يجعل قلبه في يد نفسه، وإنما هو سبحانه برحمته يتولاه ويجتبيه ..
ويبتليه بدخول الشيطان ووسوسته في صدره؛ لِيُعْلِمَهُ قليلاً من حقارة قدر نفسه، ويريه تمام فقره، وتصديق ذلك قوله تعالى {.. وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ..} [آل عمرن: 154]،
يعني: بوساوس الشيطان والنفس .. {.. وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ..} [آل عمرن: 154]، وهو طهارة القلب بنور الإيمان ..
قال رسول الله "ما من قلب إلا بين إصبعين من أصابع الرحمن ، إن شاء أن يقيمه أقامه و إن شاء أن يزيغه أزاغه" [صححه الألباني، تخريج كتاب السنة (219)]

فالله سبحانه هو الذي يلقي الإيمان في قلوب المؤمنين رحمةً منه وفضلاً، ويُلقي الكفر في قلوب الكافرين حكمةً منه وعدلاً ..
يقول تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} [الأنفال: 24]
فهي دعوة للاستجابة ثم لصدق اللُّجأ إلى الله؛ لجعل القلب قابلاً للاستجابة .. فاستجيبوا ابتداءً؛ لأن الذين يرفضون الإذعان أولاً يعاقبون بتقليب القلب.
قلبك ليس بيدك، فلتلجأ إلى مُقلِّب القلوب؛ ليثبت قلبــــك على الإيمان،،

والقلب سبيل إلى الجنـــة أو إلى النـــــار ..
فدخول الجنة شرطه: قلبٌ سليـــم مُنيـــب .. يقول الله عزَّ وجلَّ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (*) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88,89]
ودخول جهنم لأصحـاب القلوب التي لا تفقه .. قال تعالى {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا ..} [الأعراف: 179]

هذا هو قلبـك .. وهذه هي أهميته وخطورته ..
تُرى أين هو؟ .. تاه؟! .. ضــــــاع؟! ... مـــــــــــــــــات؟!
هل تحتـاج إلى قلب جديـــــد؟!

إذًا هات يدك، واركب معنا .. استحضر لك قلبًا جديدًا خاشعًا مخبتًا، تُبحِر به في سفينة النجــاة، نحــــو الفردوس الأعلى.
تعالوا نترك أنفسنــا لرمضان .. نطفو فوق نفحاته؛ لتأخذنا أمواج حسناته .. ويحملنا بيُسر طاعاته .. ويُلقينا بكثرة بركاته على شاطيء الفردوس الأعلى .. لنرسو به على بَر الكوثر في الجنـــة .

منقول جزى الله كاتبة خيرا

كل الردود: 0
هذا موضوع قديم، وتم إغلاق الردود عليه آلياً.
عرض وسائل التواصل مع الكاتب
تطبيق مستعمل

تصفح بسرعة مع تطبيق مستعمل!