الآثار النبوية بالمدينة المنورة

د. عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ


لحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالرفيق الأعلى وبقيت آثاره غضة بين أيدي أصحابه يذكرونها ويتبركون بها، فكان ابن مسعود يقول: "هذه ثيابه لم تبل وآنيته لم تكسر". "وكان عند عائشة الكساء الملبد الذي قبض فيه رسول الله".
وهذه الآثار النبوية منها ما بلي، ومنها ما احترق، ومنها ما أزيل، وبقيت بقية هي عرضة لهذا أو ذاك ما لم تنل حظها وما هي جديرة به من المحافظة والرعاية.
ومن الآثار البقاع التي وطئها بقدميه الشريفتين (وهي الآثار المكانية).
ومن أجل هذا وذاك كتبت هذا البحث وقسمته على ثلاث حلقات:
الأولى: أنواع الآثار.
الثانية: فوائد المحافظة على الآثار النبوية.
الثالثة: التأصيل الشرعي لجواز التبرك بالآثار النبوية.

الآثار في رأيي ثلاثة أصناف:
(1) آثار تاريخية: يهتم بها دارسو التاريخ والحضارة, والمهندسون, كأنواع المباني القديمة, والمدن القديمة, والأدوات الحضارية التي تكشف عنها الحفريات, من أوان ونقود, وأسلحة, ونحوها, وأوضح مثال لهذا النوع مدائن صالح في الشمال الغربي للملكة, والأخدود في نجران في الجنوب الغربي.
(2) آثار خرافية يُعنى بها "الخرافيون" وأكثرها يدور حول القبور وما يقام عليها من أضرحة ويُبنى عليها من مساجد, وأوضح مثال في المملكة: ضريح آمنة أم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأبواء, وكان قائماً إلى عهد قريب, وضريح "علي العريضي" بحرة العريض بالمدينة النبوية, عليه مسجد ومنارة,وكان يأتي بعض الخرافين فيعكفون عنده أيامًا, وعكف أحدهم شهراً, "وعلي العريضي" هذا من آل البيت من أحفاد جعفر الصادق, وقد تم هدم المسجد والضريح, وبالغ من هدمهما فنبش القبر, وأخطأ في ذلك, ولو اكتفى بهدم البناء الذي عليه وأبقاه مسوى بالأرض لكفى, لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي ".. ألا تدع قبراً مشرفاً إلا سويته" لم يقل نبشته.
(3) آثار إسلامية: وهذه التي تتعلق بالسيرة النبوية ومغازي الرسول صلى الله وعليه وسلم, من مواقع: كموقع غزوة بدر, وموقع غزوة أحد, وموقع غزوة الخندق, وجبال: كجبل أحد, وجبل عير, وجبل ثور, وجبل عينين " جبل الرماة " وحصون: كحصن كعب بن الأشرف النضري اليهودي, وحصن مرحب بخيبر, وآطام:كأطم صرار " لبني حارثة " وأطم الضحيان, وأطم بني واقف, وآبار: كبئر حاء, وبئر رومة, وبئر أريس " بئر الخاتم " وقصور:كقصر سعيد بن العاص بالعقيق, ودور: كدار أبي أيوب الأنصاري التي نزل بها النبي صلى الله عليه وسلم عند وصوله إلى المدينة في الهجرة, ومساجد نبوية: كمسجد القبلتين "لبني سلمة" ومسجد "المستراح" ومسجد "الجمعة" ومسجد "الفضيخ" في بني قريظة " وعدَّ ابن شبة في تاريخه للمدينة أكثر من ثلاثين مسجداً, بناها عمر بن عبد العزيز بمحضر من الصحابة عندما كان أميرًا على المدينة, ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح رواية ابن شبة هذه وتسمية هذه المساجد..
ومن هذا القسم الآثار الإسلامية المتعلقة بما بعد العهد النبوي من عصور التاريخ الإسلامي, وقد كان في حارة " الأغوات " بالمدينة النبوية أبنية لمدارس وأربطة من العصر العباسي, وكان من أبرز هذه الآثار مكتبة عارف حكمت التي كانت في الجزء الجنوبي الشرقي من المسجد النبوي, وقد بنيت في مكان بيت السبط الحسن بن علي بن أبي طالب- رضي الله عنهما – وفي شرقي هذه المكتبة دار أبي أيوب الأنصاري بينهما زقاق عرضه أربعة أمتار تقريباً.
ونحن في هذه الدراسة لا يهمنا الصنف الأول فهناك من يهتم به وهو نوع من الدراسات التاريخية والحضارية وربما الهندسية لا يلامون عليه, فلكل علم أهله..
مع أن الكشف عن آثار من قبلنا من الأمم داخل في معنى الاعتبار المأمور به في القرآن: "أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ" [غافر:82].
"وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ" [القصص:58].
"فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ" [يونس:92] .
أما الصنف الثاني فهو ما يجب أن نحاربه ونعلن النكير عليه, لما فيه من ذريعة الشرك, ولمخالفته الصريحة للنصوص الثابتة الدالة على تحريم البناء على القبور, وذم شأن من فعل ذلك من اليهود والنصارى, وتحذير هذه الأمة من تقليدهم.
يستثنى من ذلك البناء حول القبر النبوي الشريف وفوقه, فأول ما بني حول قبر النبي صلى الله عليه وسلم, أو حول بيت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها وأرضاها- الذي فيه القبر النبوي وقبرا الصحابيين -رضي الله عنهما- هو الجدار المخمس الذي بناه عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- عام (89) من الهجرة أو بعدها عندما كان أميراً على المدينة من قبل الخليفة الأموي الوليد بن عبد الملك, وذلك بمحضر من بعض الصحابة, وبمحضر من التابعين بالمدينة, ولم ينكروا عليه, بل ساعدوه على ذلك فاقترح عليه التابعي الجليل عروة بن الزبير أن يجعل الجدار مخمساً, حتى لا يشبه تربيعه تربيع الكعبة, وحتى لا يتسنى لمن صلى شمال الحجرة النبوية استقبال القبر.
ثم إن النبي -صلى الله علي وسلم- دفن ابتداءً في داخل بناء مسقوف هو بيت أم المؤمنين عائشة الذي ذكرنا, وذلك لما روى أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال "ما دفن نبي قط إلا حيث قبض" فدفن النبي في مكان سريره من بيت أم المؤمنين عائشة.
والصحابة لم يفكروا -أي منهم– في هدم بيت عائشة بعد ذلك خاصة بعد وفاتها سنة "58" فهو إجماع منهم على استثناء القبر النبوي.
والبناء حول القبر والقبة فوقه هو لحماية القبر النبوي من أن تنتهك حرمته من قبل من تسول له نفسه من أهل الكفر من يهود أو نصارى, ولحمايته أيضاً من انتهاك أهل البدع, خاصة الروافض, فإنهم لو تمكنوا لسجدوا على قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- وعبدوه, ولأهانوا قبري الصحابيين, والنبي -صلى الله عليه وسلم- قد دعا ربه ألا يمكن أحداً من عبادة قبره, فقال -صلى الله عليه وسلم-: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" وقد أجاب الله دعاء نبيه فأحاطه بهذه الجدران حول قبره, وبهذه السقوف من فوقه قال ابن القيم في "النونية":


وأجاب رب العلمين دعاءه *** فأحاطه بثلاثة الجدران


أما الصنف الثالث: فهو ما ينبغي أن نعنى به ونحافظ عليه تأسياً بالصحابة والتابعين الذين فعلوا ذلك بمحضر من بعض الصحابة وعلى رأس التابعين عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
الذي كان أول من تتبع المواقع النبوية وبنى عليها المساجد عندما كان أميراً على المدينة, وقد شاور في ذلك من حضره من الصحابة, وشاور كبار التابعين بالمدينة فدلوه على هذه المواقع.
وقد نقل ذلك الحافظ ابن حجر في الفتح وشيخ الإسلام ابن تيمية في الرد على الأخنائي.